الأخبار العاجلة

الشعرية بوصفها ابنة للحياة..

قاسم سعودي ..

في ثلاثية الإنسان، الإبداع ، القصيدة ، أصبح من المألوف أن ننظر إلى مفهوم الشعرية خارج إطار الشعر نفسه ، فنحن كثيراً ما نتحدث عن شعرية الرواية أو شعرية اللوحة التشكيلية أو شعرية اللقطة السينمائية وسواها من وسائل الفنون وموضوعاتها، أما الحديث عن شعرية القصيدة فإنه يبدو غريباً، وغرابته إنما تكمن في أن شعرية القصيدة أمر مفروغ منه ، لكن هذا الفهم لا يعدو كونه فهماً أولياً ظاهرياً، فالقصيدة شأنها شأن الفنون الأخرى بحاجة إلى أسس وعناصر ومقومات تجعل منها بنية محققة لمواصفاتها وممتلكة لماهيتها .
والسؤال الآن هو: هل الشعرية تلك اللحظة التي تسرقنا من رتابة الكلام ؟ ومن ذواتنا وهي تفتتن بالدهشة وينابيع القول وموسيقى الابتكار الفني؟
أو أن الشعرية ابنة الحياة والطمأنينة الدافئة التي تشرق بالقصيدة إلى أفق الإبداع والتميز ؟ بدءاً من ملكوت اللغة، وصولاً إلى رذاذ مفاتنها السرمدية العذبة؟.
المقولات النقدية العربية ترى في الشعرية حلماً للخلاص ، وفي هذا يقول كمال أبو ديب ( الشعرية هي نزوع الإنسان الدائب إلى خلق بُعد الممكن ، الحلم الأسمى في عالمه وفي ذاته ، وهي قدرة عميقة نادرة على استبطان الإنسان والعالم والطبيعة ، المجتمع وصراعاته ، الحضارة وسموها وعظمتها ، الطبقات المسلوبة المستغلة وملحمة صراعها ضد طبقات لم تزل عبر التاريخ تمسح وجودها بالقسر والقهر والقمع ) .
ولو تتبعنا المقولات النقدية الاستشرافية في التراث العربي للاقتراب من هذا المفهوم ، نجد صفات الجودة الشعرية وكما وردت في طبقات ابن سلام تتمحور في الابتداع ، الرقة ، قرب المأخذ ، حسن الديباجة ، الرونق ، عدم التكلف ، والحلاوة الشعرية .
وسواء أكانت شعرية القصيدة مجموعة القواعد والشروط التي تجعل من القصيدة نصاً إبداعياً يستحق اسم الشعر ، أم كانت مجموعة الانزياحات والتوترات التي تتحقق في النص من جراء تلك النوافذ والمفاتيح السرية التي يحدثها الشاعر في بنية النص الشعري لديه، لإقلاق وعي
المتلقي وإثارة ذائقته وإزالة ما تكلس على روح النص من شوائب العادة وأملاح التكرار، فإن بحث الشعرية في الخطاب النقدي لما يزل يتسع وتتطور مدياته ورؤاه باتساع أفق الناقد وازدياد تجارب الشاعر وتجريبه، لذا فإن الأصوات التي تقف ضد حركة التاريخ وسنن التطور الإبداعي ستكون خارج مبحث الشعرية واجتهاداتها ورهانات الإبداع المتغير أبداً ، الإبداع الذي يضيء في جسد الكتابة ذلك الوهج الشعري الأخاذ وسحر غواية المتلقي التي هي سمة كل إبداع تخييلي جميل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة