ناصر مؤنس.. ظلال الكلمة الشعرية (2-2)

عبد الكريم كاظم

3

ونحن نتفحص هذه العبارات أو العناوين أو الإشارات الشعرية والتشكيلية: (الشاعر صانع عقاقير) (القصيدة صيدلة أوهام) (الحرب بطاقة حمراء أخرجتنا إلى المنفى) أو هذه الكلمات: (الأشباح ـ العقاقير) نقترب من عوالم الشاعر التحليلية التي تقيم حواراً مع القارئ لتثير لديه الكثير من الأسئلة، يجعلها موضوع تفسير وتأويل مستمرين وهو بذلك، أعني الشاعر، يقدم كتابة تُخرج القراءة من دائرة التكلس النقدي وبلادة الرؤية، وحين تحاول القراءة الدخول لمسالك المعنى ستستند إلى سيرورة الدلالة المتمثلة بـ: العقاقير، هي صناعة للمعنى والجمال، وصيدلة أوهام، هي بمنزلة الكتابة بلا جدوى (أحياناً) أما الأشباح والعقاقير فهي بمنزلة الخيال، المتصل بكوابيس الشاعر، وصناعة الجمال كما أسلفنا. وقد تسمح لنا هذه التأويلات إلى إعادة وضع الأسئلة النقدية بشأن شتى الإشارات التي ينتبه لها الحس النقدي وتصبح ذات شأن جمالي في مناخ النص بمجمله، وبهذا أيضاً تبدأ تساؤلات القارئ الإضافية بالتشكل والتمدد في مساحة الاحتمالات المتصلة بالمعنى الشعري والدلالة اللغوية للكلمة، إذ يمكن للقراءة التأويلية أن تعيد صوغ تلك العبارات بشكل سؤال: لماذا يتحول الشاعر إلى صانع عقاقير؟ لماذا تتحول القصيدة إلى صيدلية أوهام؟ يشكل هذا السؤلان، أيضاً، فضاء نفسياً موازياً للفضاء الدلالي الناجم عن التركيب اللغوي لعبارات الشاعر، وهو فضاء نفسي مشبع بظلال الكلمة الشعرية، إذ إن الشاعر ليس صانعاً للعقاقير فحسب بل هو صانع للجمال، والقصيدة ليست بالضرورة صيدلية للأوهام، من هنا نقول أيضاً، إن القارئ سيغادر عتبة المعنى أو الدلالة إلى بهو النص أو العبارة أو التشكيل وهو محمل بهذه التأويلات والأسئلة ويشرع يتأمل بنصوص الصيدلاني بشهوة الباحث عن إجابة أضمرها العنوان أو الصورة المرفقة وصولاً إلى اللون والظلال الممتدة على الكلمات، ولا ننسى، هنا، أن نقول إن البناء الرمزي للنصوص يتسم بنسق تراكمي يجمع بين خاصية التكثيف الشعري وخاصية الألفاظ المفردة التي تمنح النصوص بريقاً دلالياً لا يتلاشى أمام كثافة الرمز والبنية التشكيلية للصورة الشعرية.

ثمة عبارات تحمل شحنات دلالية تتماهى مع الفضاء النفسي للشاعر، عبارات متصلة بالحرب والموت تسعف القارئ للربط المباشر بينها وبين تجربة الشاعر، عبارات غير محايدة، مثلما ترصد الحرب، تقوم بتجميع دلالتها التي تفضي إلى نزع القناع الدلالي لكلمة المنفى، فالتعالق بين المنفى والحرب يتراوح بين علاقة جاذبة دالة وأخرى ساكنة، فقول الشاعر: (الحرب بطاقة حمراء أخرجتنا إلى المنفى) هو القول المضمر الذي يمتص سياقاً لفظياً يشكل نسيج العبارة أو النص الشعري مع ظهور علامات لغوية دالة، تتمثل بالبطاقة الحمراء، على علاقة الحرب بالمنفى، من هنا أيضاً يتجلى المعنى الشعري في شكله الدلالي الذي لا يختزل المنفى أو الحرب بل يضيف لمسة لفظية تتماهى مع تجربتي المنفى والحرب، لنقرأ هذه الجملة المتصلة بموضوعتي الحرب والمنفى: (يريد أن يعود إلى صوت الإله، القصيدة، الأرواح، أن يجمد الموت ويدفنه كمن يداعب مهابة صوفية مرهونة بفيض من الكرامات، لا بأس أن يزور آثاراً قديمة ويلتقط صورة فوتوغرافية لسياجه المهدّم، يتذكر الأغاني، ولا يعود إلى أرض الوطن، يريد أن يكتب عنه: “مات في المنفى”).

ثنائية التشكيل والشعر، مسألة قابلة للنقاش، فالتراكم التشكيلي في الشعر لا يمكن أن يحول (الكم) المتصل بالحرف واللون والفوتوغراف إلى (كيف) متصل بالمعنى بالضرورة، ويمكن الجدل بشأن هذا الموضوع (الثنائية) وتقديم أكثر من قراءة نقدية تبين أن موضوعة التراكم التشكيلي في النص الشعري تنبطق على الموضوعة الفنية واللغوية والرمزية أيضاً، وقد طبق الشاعر هذا المنهج التشكيلي البحثي على شعره، لقد تحرر من أسار التحديد، في الكتابة الشعرية، بين اللغة والتشكيل والفوتوغراف، ويقوم، أيضاً، على ابتكار الصورة الشعرية التشكيلية في الغاية الفكرية التي يريدها، وابتكار اللفظة الصوفية، في أغلب الأحيان، المتصلة بالمعنى التي تبدو مطاوعة له وهو يستعملها في غير مدلولها الشائع، وفي هذا يكمن إسهامه في تجديد اللغة وتوسيع أفقها، كما تكمن جمالية النصوص في ذلك المزج الفني للمضمون المحسوس للكلمة والحرف واللون.

كيف يتسنى للقارئ الذهاب مع النص أو ماذا يريدنا النص أن نقرأ؟ ثمة جمل أو عبارات شعرية، في أغلب نصوص ناصر، نظنها وصفاً في حين أننا نشترك ونشارك خيال الشاعر في كتابتها، هذه الالتقاطة النقدية تتقارب مع ما ذهب إليه الفرنسي غاستون باشلار بقوله: (كثيراً ما نظن أننا نَصِف في حين أننا نتخيل) بهذا المعنى، أيضاً، نستطيع أن نتفهم هذا التشكل أو التنوع الخيالي في تجربته، وإذا أضفنا، إلى كل هذا، نزوعه نحو حريات مخيلته الفنية، سوف يتيسر لنا، أيضاً، اكتشاف مكونات تجربته التشكيلية المتصلة بالمخيلة في مجل نصوصه الشعرية، لنطلع على هذه الجمل الشعرية: (لا عواء أيها الذئب، لا عواء، كان ذئباً يقلد البشر، عوى مرة أو مرتين، حاول أن يدنو من الذئب، يلاحقه، يتعرف إليه، يستعير نظرته وقسوته، يستعير حنجرته الحارة الحارقة وربما اللاهبة، لم يعد في حنجرة الذئب عواء، بل كلمة تشبه العواء).

ثمة نصوص تشبه السيناريو السينمائي تقوم على الحوار المتواصل لبنية النص الشعري ومنطق الحدث السينمائي الصوري وهو ما دفع الشاعر لتكثيف الزخم الصوري في نصه، ولكن ولعه التشكيلي بدلالات الحرف واللون والفوتوغراف هو ما يجعله يمعن في صقل جمله الشعرية والتقاطاته، من هنا يكتمل المشهد أو الحوار السينمائي الذي يسعى إليه الشاعر لاقتراحه في النص، ومع هذا لا يمكن للغة السينمائية، الصورية تحديداً، أن تتجاوز اللغة الشعرية، فالشعر تاج الفنون، ومن أجل أن نحفظ للفن الشعري سموه، علينا أن نبحث في هذه الكتابة الشعرية أو تلك عن المعنى الفاصل بين اللغة والصورة، بشرط أن (لا تنتصر الصورة بكل مجدها على حضور المعنى في لغة الشعر) بحسب تعبير جان ستاروبنسكي، وقد اعادتني بعض المقاطع الشعرية في نصوص الصيدلاني إلى فيلم (اسم الوردة) وهي رواية الايطالي أمبرتو إيكو للمخرج الفرنسي جان جاك آنو، لنقرأ هذه المقاطع المقاربة لحوار سينمائي: (تسأل: ماذا تفعل الآخرة بكل هؤلاء الموتى؟ ماذا تفعل فكرة الألوهية بسعادتنا البشرية؟ ستحفظ بما للرب من نصيب ونقول، القيامة محكمة تفتيش مقدسة نحن ضحايا الإيمان بها) (كم هي مملّة مهنة الخالق، حبّة دواء من أجل الأبدية) (تجليات الملائكة أكاذيب كلها) (في العالم الآخر تظهر صورتي مرمية في أحد الحقول وبالقرب من خيط الدم الذي يسيل من عنقي يظهر حذاء الرب الثقيل).

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة