الأخبار العاجلة

هروبنا

الهروب من نفق مضيء
قصة هروب سجناء سياسيين من سجن الحلة المركزي عام 1967

تمكن الكاتب جاسم المطير في كتابه الهروب من جسر الحلة، أن يقدم للقراء حدثاً إنسانياً رائعاً بروح نضالية شبابية عالية الهمة ومسؤولة في آن واحد , حدث بدأ في منتصف عام 1967 وانتهى مع نهايات العام تقريباً.
كتاب المطير هذا ضم مذكراته عن ذلك الحدث البعيد وما رافقته من أحداث.
وفي هذا الكتاب ترك المطير للأخرين ممن جايلوا ذلك الوقت او عاشوا الحادثة، فسحة للحوار حين أكد على أن من يتحدث عن مسألة معينة سيراها من زاويته الخاصة , وبالتالي ترك المجال لمن يريد أن يدلي بدلوه في هذا الصدد , سواء بالإضافة أو إبداء الملاحظة أو التعديل. غير انه توخى في من يريد التحدث او الكتابة في هذا الأمر أن يكون ملماً به أو يسعى للإلمام به ومراجعة من عايش الحدث منذ البداية بهدف تجميع موزائيك اللوحة كاملة قبل البدء بالكتابة عنها. هكذا طلب جاسم ممن كتب عن الحدث حينذاك , وهكذا يفترض أن يكون.
ومن هنا تبادر ” الصباح الجديد ” الى نشر سلسلة حلقات من هذا الكتاب الشيق.

جاسم المطير

الحلقة 16

كانت الساعات وحتى الدقائق الماضية تحمل أخبارا غير سارة . الإسرائيليون يتقدمون في كل الجبهات والقوات العسكرية العربية تنكسر في كل الجبهات أيضا . لا احد من السجناء السياسيين بإمكانه أن يتجاهل المعاناة المأساوية التي تمر بها الشعوب العربية كافة ، وكذلك معاناة الأنظمة العربية التي ما فاتها يوما واحدا بدون جلد ظهور شعوبها ، ومنها النظام العراقي الحالي الذي يدّعي الوطنية والاشتراكية لكننا نحن السجناء كنا وما زلنا مثالا صارخا لجبروته النازل علينا حتى أنهم منعوا علينا هذا اليوم دخول الصحف والمجلات العراقية وهي صحفهم ومجلاتهم الناطقة باسمهم ولو كان الأمر بيدهم لمنعوا علينا سماع الراديو الذي نصغي إليه سرا داخل القواويش . لا يريدون أن نعي ما يحدث إلا من خلال تلفزيون بغداد الذي كان ينقل للسجناء أخبار ” الانتصارات ” في الجبهة المصرية عن طريق نقل أكاذيب البوق المهرج المدعو احمد سعيد وجماعته في إذاعتي القاهرة وصوت العرب عن خسائر الجيش الإسرائيلي وعن انتصارات الجيوش العربية ..!
السجناء في الحلة صار السجال بينهم واسعا وصار اعتمادهم على التحليل الماركسي يدفعهم إلى الاعتقاد بان نكسة الجيوش العربية لا محالة فيها وان البورجوازية القومية لا يمكن الثقة بها ، لا في مصر وحدها ، بل في كل البلدان العربية ، ومنها العراق أيضا . وسادت نتيجة هذا القلق المتنامي داخل السجن بين أعضاء فريقي التنفيذ والتخطيط حالة نفسية متوترة دفعتهم إلى ضرورة الإسراع بحفر النفق .
تزايد توتر مظفر النواب على هامش هذه الأحداث وكانت حركته اليومية المتجولة بين القواويش ومجاميع السجناء تساعده في استكشاف مواقف السجناء وأفكارهم والتي توفر له أمكانية التأمل في مصير النفق وفي برامج وخطط حفره وتهيئته .
من جهة ثانية كان حافظ رسن يحاول إزاحة كل تردد ومحاولة العثور على الموقف الصائب خاصة وان لقاءاته مع حسين سلطان خلال هذين اليومين قدمت له قناعة تامة أن التخيلات عن العفو العام مازالت قائمة في قاووش حسين سلطان ولدى المحيطين به خاصة صاحب الحميري وجميل منير .
أما لجنة التنفيذ وخاصة فاضل عباس وعقيل حبش وحسين ياسين وكمال ملكي فقد كانت الأحداث تزيد في وعيهم وخبرتهم لتزيدهم حماسا في العمل .
نصيف الحجاج كانت عيناه تخترقان الوضع المتشكل عن نكسة الجبهة القتالية لتصل الى القاع إلى عمق النفق الذي يأمل أن يكون مضيئا للخلاص من هذا الظلام المتزايد كل يوم . كان يستقرىء مواقف فريقي التخطيط والتنفيذ ليجد في وجدانه بلاغة الدعوة إلى رفع مستوى الهمم ومحاولة السيطرة على الوقت وانجاز المهمة سريعا .
ظهر حسين سلطان في عدد من لقاءاته وأحاديثه أكثر تفاؤلا باحتمال صدور العفو العام تحت ضغط الواقع العسكري العربي وتحت تأثير الوضع السياسي في العراق وكان يطابق تقديراته على الحالين انتصار مصر أو هزيمتها فأنه كان يلتقط أفكاره من مؤشرات بعض الشائعات والدعايات القادمة من بغداد حول حاجة الدولة العراقية إلى ” تحشيد ” قوى الجماهير .
خلال الحوار الجاري بين السجناء وجدنا أزمة فكرية حادة . اليأس يتغلغل إلى صدور الكثير منهم . ربما هذه الحالة هي انعكاس لمعاناة الناس خارج السجن على امتداد البلدان العربية كلها ابتداء من بغداد .
كل الأنظمة العربية وهي لا تملك من روح الديمقراطية شيئا مغلوبة على أمرها حتما جراء أحداث خلال الــ 48 ساعة الماضية . ولا شك أن شعوب مصر وسوريا والأردن وفلسطين تمر بساعات مأساوية . هذا هو الشعور القاسي الذي ملأ قواويش السجن وساحاته وصارت ماثلة للعيان عذابات انقلاب 8 شباط 1963 وبسطت من جانب آخر أفكار بحث السجناء عن موقف حكومة بغداد واختبار موقفها من قضية إطلاق سراح السجناء . جملة القول إن سماء السجن كانت مظلمة والساعات مرت ثقيلة على الجميع .
ثم جاءت ساعات من نوع آخر في اليوم السابع من حزيران حملت فيها برقية جوابية من مديرية الاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع إلى مدير سجن الحلة تأمر إرسال الضباط الخمسة الموقعين على البرقية ” مخفورين ” إلى وزارة الدفاع ” بأسرع ما يمكن ” .
أثارت هذه البرقية كثيرا من النقاشات والتفسيرات .
كلمة ” مخفورين ” دفعت البعض من السجناء إلى تفسير موقف وزارة الدفاع من تطوع الضباط الشيوعيين بصورة سلبية .
أما عبارة ” بأسرع ما يمكن ” فقد دفعت البعض الآخر إلى تفسير الموقف الحكومي من هذا الموضوع بصورة ايجابية .
في اليوم التالي تم تسفير الضباط إلى بغداد ، مصحوبين بحب السجناء وتوديعهم وأمنياتهم بالسلامة . كانت الحراسة مشددة عليهم من قبل السجانة منذ لحظة مغادرتهم السجن . وقد تم الاتفاق بينهم وبين المنظمة السجنية على ضرورة إعلامها بنتائج اللقاءات التي ستتم في وزارة الدفاع أو غيرها من الجهات الحكومية المسئولة .
وصل الضباط الخمسة مخفورين إلى وزارة الدفاع ببغداد وحال وصولهم قابلهم معاون مدير الاستخبارات المقدم عبد الرزاق النايف لان مدير الاستخبارات العقيد الركن شفيق الدراجي كان غير موجود في الوزارة بتلك اللحظة .
استقبلهم عبد الرزاق النايف بطريقة فظة تماما ليس فيها أي شكل من أشكال الأخلاق العسكرية والزمالة ، بل كان يشوبها الحقد الواضح للضباط وللشيوعية أيضا .
تسللت إلى السجن أخبار متتابعة عن لقاءات الضباط في وزارة الدفاع مع بعض كبار مسئوليها وفي مقدمتهم مسئولو الاستخبارات العسكرية .
قال عبد الرزاق النايف :
ـ لم تحصل موافقة وزير الدفاع اللواء الركن شاكر محمود شكري على طلبكم
ثم أضاف بطريقة متعالية وخشنة :
ــ أقول لكم بصراحة أن السيد الوزير لا يثق بالشيوعيين ولا يطمئن إلى الضباط الشيوعيين .
وعندما سأله احد الضباط : لماذا أرسلتم علينا وما جدوى هذا اللقاء ..؟
أجاب النايف : لقد أرسلنا لمقابلتكم بقصد تجديد سياستنا في إطلاق سراحكم والذهاب إلى بيوتكم في حالة واحدة فقط عندما توقعون ورقة ” البراءة ” من الحزب الشيوعي والتوقف نهائيا عن العمل السياسي .
ثم قال ملخصا كلامه : اللعنة على الاتحاد السوفييتي واللعنة على أمريكا أنصحكم بالتوقيع على صك البراءة كي تعودوا إلى بيوتكم وعائلاتكم .
التفت إلى جبار خضير ليسأله : ما رأيك يا جبار ..؟
أجاب جبار بثقة تامة وبقوة : نحن نرفض البراءة رفضا قاطعا أيها المقدم عبد الرزاق النايف .. لقد قدمنا لكم طلبا عرضنا فيه استعدادنا للتضحية بحياتنا من اجل حرية واستقلال الشعوب العربية ونحن في غاية السعادة إذا ما حصلنا على شرف مقاتلة المعتدين المفروض أن توافقوا على طلبنا فورا إن كنتم ترغبون فعلا بتحشيد القوى الوطنية في المعركة والاستفادة من خبرة ضباط وطنيين يسحقهم ظلام السجن وهم يريدون المساهمة بالنضال ضد العدوان الإسرائيلي .
بعصبية قال النايف : كف عن هذه الفلسفة كفوا جميعا عنها وعودوا إلى أطفالكم وبيوتكم عن طريق ” البراءة ” فقط .
قال أديب جورج : لا نريد العودة إلى بيوتنا ونحن ضعاف النفوس وضعاف في مبادئنا . نريد العودة كما كنا دائما رؤوسنا مرفوعة .
أضاف جبار خضير : لا نعطي براءة ولا نتخلى عن مبادئنا أيها السيد المقدم عبد الرزاق النايف لقد قضينا في السجون سنوات طويلة ونحن بأعلى مستوى من الصبر والإيمان وسنظل كذلك وليس لدينا أي استعداد لسب الاتحاد السوفييتي أو شتم قادته فهذا البلد يقدم للدول العربية كل أنواع المساعدات العسكرية في حربه ضد العدوان الإسرائيلي
مرة أخرى قال عبد الرزاق النايف بعصبية :
ــ إذا ما يعجبكم التوقيع على صك البراءة فعودوا إلى زنازين سجونكم المظلمة واطمروا أنفسكم فيها .
هنا انتفض الملازم الأول أديب جورج ــ حاليا موجود في كندا ــ موجها كلامه إلى النايف ( كنا نتصور أنكم دخلتم المعركة بشكل جدي وقد دفعتنا روحنا الوطنية للتطوع ورد العدوان لكن اتضح الآن أنكم لستم بمستوى العمل الجاد فأين هي الوطنية التي تدعون بها وأين هي القومية التي تتنادون بأهدافها ..) .
لم يتمالك المقدم عبد الرزاق النايف أعصابه فرد ردا قاسيا بكلمات غير مؤدبة على الملازم أديب جورج واصدر أمرا إلى الحرس العسكري بإرسال الضباط الخمسة إلى معتقل الانضباط العسكري فورا تمهيدا لإرسالهم إلى نقرة السلمان .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة