الهند تستعمل «المراهقين» سلاحاً لمواجهة العنف ضد المرأة

برنامج لمواجهة العنف ضد المرأة عبر التركيز على دور الصبية الذكور

متابعة الصباح الجديد :
اعتاد الصبي الهندي أومكار، البالغ من العمر 18 عاماً، في الماضي صب جام غضبه على روتو، شقيقته الأصغر منه سنا. لكن هذا الوضع تغير الآن، فبحسب والدتهما «كانتا»، أصبح أومكار يتحدث مع روتو بهدوء واحترام.
كما بدأ يمد يد العون للأسرة بنحو كبير في أداء المهام المنزلية، من قبيل تحضير الشاي والتنظيف وترتيب الأشياء.
ويعود السبب في ذلك إلى أن أومكار، بات واحداً من بين أكثر من 5000 صبي، يشاركون في برنامج يُنفذ في مدينة بونا الهندية، تحت اسم «العمل من أجل المساواة» أطلقته مؤسسة «المساواة في المجتمع» عام 2011.
ويستهدف البرنامج مواجهة ظاهرة العنف ضد المرأة، عبر التركيز على دور الصبية الذكور في هذا الصدد.
وتعد كريستينا فورتادو، المدير التنفيذي للمؤسسة، أن تحقيق المساواة بين الجنسين، يشبه مواجهة تيار نهر سريع الجريان، قائلة «نُبلغ النساء بأنه من المهم للغاية بالنسبة لهن بأن يقاتلن من أجل نيل حقوقهن. وقد نجحنا في سحب بضع منهن (من مياه النهر) ووضعهن على قارب النجاة».
وحذرت فورتادو من أن تركيز الحلول المقترحة لهذه الظاهرة على النساء وحدهن، لن يجدي نفعا «لأن ذلك لن يعكس اتجاه تدفق مياه النهر، في ضوء أن النساء المتعلمات والمُمَكنات سيَعُدن في نهاية اليوم إلى المنزل مع رجال سيتصرفون معهن بعنف وسيسيئون إليهن كذلك».
وفي إطار البرنامج، يقضي الصبية – الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما – 43 أسبوعا في دراسة منهج تعليمي يتناول العنف القائم على أساس الجنس، وكيفية جعل المجتمعات تنعم بقدر أكبر من الإنصاف والأمن، بالنسبة للسيدات والفتيات.
وتقول الأمم المتحدة إن العنف ضد المرأة يشكل آفة منتشرة في مختلف أنحاء العالم. وتُظهر بعض الدراسات أن ما يصل إلى 70 في المئة من النساء، عانين لمرة واحدة في الأقل، من عنف مادي من جانب شريك حياتهن، سواء كان ذلك في صورة عنف بدني أو جنسي. كما تشير الدراسات إلى أن العالم يشهد في كل يوم مقتل 137 امرأة، على يد شريك حياتها أو أحد أفراد أسرتها.
وقد شهدت الهند ظهور أعمال العنف هذه على السطح بوحشية، عندما اغتصبت طالبة في الثالثة والعشرين من عمرها بشكل جماعي، في إحدى الحافلات بالعاصمة نيودلهي عام 2012. وأعقب حدوث هذه الواقعة، كشف النقاب عن طوفان من قصص الاعتداءات الجنسية، التي أدت إلى أن تظهر الهند حركة مشابهة لحركة (#أنا_أيضا).
«لا تقل للفتيات إن عليهن ارتداء ثياب محتشمة بل قل للصبية أن يتصرفوا بتهذيب» عبارة مكتوبة على لافتة رُفِعَت في وقفة احتجاجية لإبداء الدعم لضحية عملية اغتصاب جماعي وقعت في نيودلهي عام 2012
ولذا تلعب برامج – مثل ذاك الذي يُنفذ في مدينة بونا – دورا مهما، برغم أن هذه المدينة ذات السمت المحافظ، ربما تبدو بقعة لا يُرجح أن يجري فيها تدشين حملات واسعة النطاق للدعوة للمساواة بين الجنسين، ناهيك أن تشكل مكانا يتولى فيه الصبية الذكور زمام الأمور في هذا الصدد. ففي مجتمعات تقليدية يتدنى فيها مستوى الدخل، غالبا ما يكون الصبية من الذكور والإناث، مُقيدين بالعادات التقليدية العتيقة، التي تجعل العمل المنزلي من نصيب المرأة، وتفسح الطريق للذكور للإساءة جنسيا ولفظيا وبدنيا للنساء دون عواقب.
وقد أُسْنِدَت مهام بارزة في البرنامج إلى شبان في العشرينيات من العمر، يعدهم الصبية الدارسون فيه قدوة بالنسبة لهم. وقد استكمل 80 في المئة من المشاركين في البرنامج مختلف مراحله، وتخرجوا منه.
من بين هؤلاء أكشاي، البالغ من العمر 18 عاما والذي التحق بالبرنامج كمتطوع في عام 2014 لإدارة بعض جلساته وتنظيمها، ثم سجل اسمه بعد ذلك كمتلقٍ للدروس هو ايضا، بجانب اثنين من أشقائه. وقد أصبح هذا الصبي بعد تخرجه – كما يقول – انموذجا لبقية الصبية في منطقته.
ولاحظت والدة أكشاي كما حدث من قبل مع والدة أومكار أن تغيرات ملموسة طرأت على سلوك ابنها.
وأوضحت أنه أصبح «يشارك في تحمل المسؤوليات في المنزل. ليس هو وحده، بل وكل أشقائه كذلك»، مضيفة بالقول «في واقع الأمر، ظللت شهرا كاملا لا أؤدي أي عمل في المنزل، بسبب المساعدة» التي يقدمها الأبناء.
لكن المشكلة أن الحي الذي يقيم فيه هذان الصبيان، الذي يتدنى فيه مستوى الدخل بدوره؛ يشهد شروع الكثير من الصبية في احتساء الكحول اعتبارا من سن 14 أو 15 عاما، بل إن بعضهم يدمنون معاقرة الخمور عند وصولهم لمرحلة البلوغ. وتشيع هذه المشكلة على نطاق واسع في المناطق المماثلة لهذا الحي في مختلف أنحاء الهند. وينزع الرجال من مدمني الكحول للتعامل بشكل مسيء مع زوجاتهم، والإساءة للفتيات أيضا.
وبطبيعة الحال، يمثل ذلك مشكلة تؤثر بشدة على النساء. فالفتيات يخشين من أن يمارسن اللهو واللعب خارج دُورِهِن، بسبب التعليقات البذيئة التي يتفوه بها الصبية والرجال الثملون. كما تخشى النسوة في أغلب الأحيان، من إبلاغ الشرطة أو مواجهة مرتكبي هذه الوقائع بشكل مباشر، لأنهن يؤْمِنّ بأن السلطات، إما ستلقي اللوم عليهن، أو لن تصدقهن من الأساس.
لكن صبية مثل أومكار أو كانتا، صاروا يشعرون بأن بوسعهم الإبلاغ عن هذه الوقائع للشرطة وللشخصيات البارزة في الأحياء التي يعيشون فيها، وذلك بفضل ما تعلموه في البرنامج من معارف، جعلت بمقدورهم رصد المؤشرات التي تؤكد حدوث حالات عنف أو تحرش جنسي.
ويقول أومكار إن الفتيات المراهقات يثقن فيه لأنهن يعلمن أن التجربة التي اكتسبها خلال التحاقه ببرنامج «العمل من أجل المساواة»، منحته القدرة على مساعدتهن، حينما يشعرن بعدم الأمان.
ولا يتردد أكشاي عن التدخل بدوره للدفاع عن الفتيات. ويتذكر في هذا السياق واقعة، تناهى فيها إلى مسامعه مصادفة صوت شجار بين رجل ثمل وزوجته، تطور إلى اعتداء الرجل عليها بالضرب. حينذاك، توجه هذا الصبي وأصدقاؤه إلى منزل الرجل وحاولوا إخراجه منه، وطلبوا من الزوجة الاتصال بالشرطة.
نتيجة لذلك، لجأ هذا الرجل لتلقي العلاج من إدمان الكحول، وهو ما أدى لتقليل استهلاكه منه بشكل كبير، مما قاد بالتبعية إلى كبح جماح نزعاته العدوانية، حسبما يقول أكشاي.
ويضيف هذا الصبي: «كنت أعتقد أن الفتيات ضعيفات وأنهن يخشين الخروج من دُورِهِن. لكنني أدركت أنهن خائفات بسبب النظام الأبوي السائد في المجتمع، ولذا بدأت في احترامهن».
ويعكف أومكار حاليا على نقل المعارف والخبرات التي اكتسبها في البرنامج إلى جيل أصغر سنا.
فبالتعاون مع أحد أصدقائه، يُعلّم هذا الصبي 10 صبية آخرين – لا يزالون أدنى من السن المحددة للالتحاق بالبرنامج – المفاهيم الخاصة بالمساواة بين الجنسين وضرورة عدم التفوه بعبارات بذيئة أو ذات طابع جنسي عند مرور الفتيات بالقرب منهم. ويشمل ذلك أيضا تعليم هؤلاء الصبية كيفية تقديم المساعدة للفتيات المحتاجات إليها، وكيف يجهرون بآرائهم عندما يرون رجالا يتصرفون على نحو مسيئ للسيدات.
لكن بعض الصبية يأخذون ما يتعلمونه في البرنامج بجدية أكثر من اللازم، كما تقول إحدى المسؤولات فيه. إذ يؤدي تعلمهم كيفية مساعدة الفتيات اللواتي يواجهن التحرش الجنسي، إلى أن ينصحوا شقيقاتهم بعدم ارتداء ملابس بعينها، أو يدفعونهن للخوف من الخروج بمفردهن من المنزل. المفارقة أن فرض الحماية المفرطة هذا – ولو أنه يتم بحسن نية – قد يفضي إلى حدوث المشكلة التي تسعى المؤسسة المشرفة على البرنامج إلى معالجتها، وهي هيمنة الرجال على النساء.
على أي حال، يعمد المشرفون على البرنامج أن يؤكدوا خلال المراحل الأولى منه، أن على الصبية الملتحقين به، عرض المساعدة على الفتيات، عندما يَكُنّ في حاجة ماسة إليها فحسب. كما يطلبون من هؤلاء الصبية أن يتصلوا بالسلطات في المواقف شديدة الحرج، بدلا من التدخل فيها بأنفسهم ما يجعلها تزداد حرجا.
وقد طبق أكشاي هذه التعليمات حينما عَلِمَ بأن جارة له تستعد لتزويج ابنتها التي لم تبلغ السن القانونية للزواج في الهند وهو 18 عاما. فبدلا من مواجهة الأب والأم بأنه عَلِمَ بذلك، وهو ما كان سيدفعهما للاعتقاد بأنه صديقٌ حميم للفتاة ويقوم بذلك لمصلحته الشخصية، أبلغ الصبي الهندي السلطات والمنظمات المعنية بحماية حقوق المرأة، لإقناع الأب والأم بالعدول عن هذه الزيجة.
وفي حين يعالج برنامج «العمل من أجل المساواة» القضايا المتعلقة بالمساواة بين الجنسين على المستوى المحلي والشعبي في الهند، تتعامل مؤسسة «بورموندو» – التي تأسست في البرازيل عام 1997 وتتخذ من العاصمة الأميريكية واشنطن مقرا لها حاليا مع الملفات نفسها ولكن على الصعيد الدولي، إذ تُعنى بالرجال والصبية في أكثر من 25 دولة، من بينها الولايات المتحدة والبرازيل والهند ودول البلقان.
وأطلقت هذه المؤسسة برنامجاً لتقليص حدة عنف الشباب من الذكور في المناطق الحضرية.
وتتراوح أعمار المشاركين في البرنامج بين عشر سنوات و24 عاما. ويلتقون أسبوعيا لمدة أربعة شهور في أماكن تتولى تقديم الخدمات المجتمعية مثل المدارس.
وتتسم مجموعات العمل في هذا البرنامج – مثلها مثل تلك المنضوية تحت لواء برنامج «العمل من أجل المساواة» – بالمحدودية في العدد، إذ لا يزيد عدد المشاركين في كل منها على 12 شخصا، ويتم تنظيمها وتنسيق العمل فيها على يد شبان في العشرينيات من العمر.
ولا تختلف طبيعة الدروس التي يتلقاها المشاركون فيها، عن تلك التي يحضرها نظراؤهم في برنامج «العمل من أجل المساواة»، إذ تركز على موضوعات من قبيل «العنف ضد المرأة» و»الأدوار الاجتماعية المحددة بشكل نمطي لكل جنس من الجنسين»، مثل القيام بالأعمال المنزلية وتقديم الرعاية لمن هم في حاجة إليها.
ويقول تقرير حديث أصدرته مؤسسة «بورموندو» إن «الفتيات – على مستوى العالم – ينهمكن في أعمال غير مدفوعة الأجر لفترة أطول مما يفعل الفتيان ممن يماثلوهم في العمر بنسبة 40 في المئة»، وهو ما يعني أنهن لا يستطعن تكريس وقت كاف للعب والاسترخاء والدراسة.
تنخرط الفتيات على مستوى العالم في أداء أعمال غير مدفوعة الأجر – مثل رعاية أشقائهن الأصغر سنا – لفترة تزيد بنسبة 40 في المئة عما يمارسه الفتيان الذين يماثلونهم في العمر
وقد استحدثت المؤسسة مقياسا لتقييم التغييرات، التي يقول الذكور إنها طرأت على سلوكياتهم حيال مسائل مثل ممارسة جنس آمن أو تنظيم الأسرة أو تراجع معدل العنف ضد المرأة، أو تحسين توجهاتهم إزاء النساء أو بالنسبة لقضية المساواة بين الجنسين.
وتشير دراسة – لم تُنشر بعد وأُجريت بين عاميْ 2002 و2012 – إلى أن المشاركين في البرنامج الذي ترعاه «بورموندو» في أثيوبيا قالوا إن لجوئهم إلى العنف تراجع بنسبة 20 في المئة، كما قال نظراؤهم في الهند إن احتمالات استخدامهم للواقي الذكري خلال ممارسة الجنس زادت عن ذي قبل، بنسبة تتراوح ما بين 200 و300 في المئة.
وبرغم أن المؤسسة حاولت التأكد من صحة ما قاله المشاركون عن أنفسهم، عبر سؤال أقاربهم وأصدقائهم عن ذلك، فإن الاعتماد في الدراسة على بيانات يقولها الشخص عن نفسه، تفتح الباب بالقطع لحدوث أخطاء.
وتشجع «بورموندو» الصبية على تغيير سلوكياتهم في «بيئات آمنة» – مثل الصفوف الدراسية – أولا قبل أن يتبنوا النهج نفسه في حياتهم الاعتيادية.
برغم ذلك، لا تزال هناك صعوبات تواجه عملية تغيير المفاهيم في المجتمعات التي تترسخ فيها الرؤى التقليدية للأدوار الاجتماعية المُحددة بشكل نمطي لكل من الجنسين. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية مثلا، سعت المؤسسة إلى مواجهة الوصمة التي تحيط بقيام الرجل بالأعمال المنزلية، وهو الأمر الذي يعد أحد المحظورات في هذا البلد. وبرغم أن ذلك أدى إلى أن يقتنع رجل واحد بكنس أرضية منزله ما أسعد زوجته، فقد لاحظت هذه السيدة أنه يكتفي بالقيام بذلك داخل المنزل دون أن يُقْدِم على كنس الفناء، لأنه كان يخشى من أن يراه الرجال الآخرون ويسخرون منه.
على أي حال، أدرك القائمون على برنامج «العمل من أجل المساواة» ونظيره الذي تتبناه مؤسسة «بورموندو» أنه بينما يسهل نسبيا تغيير توجهات الصبية المراهقين حيال مسألة المساواة بين الجنسين، فإن الأمر الأكثر صعوبة يتمثل في حملهم على تطبيق سلوكياتهم الجديدة هذه، علنا والحفاظ على استمراريتها، إذا كانوا يعيشون في مجتمعات مُقاومة لذلك.
ولذا يتخذ المسؤولون عن البرنامجين إجراءات متنوعة وعلى مستويات مختلفة، تتطلب أحيانا التعاون مع مؤسسات أخرى في المجتمع المحلي، للتعامل مع هذه المشكلة.
وتُعقّب مسؤولة في مؤسسة «بورموندو» على ذلك بالقول: «حتى إذا غيرنا توجهات وسلوكيات الشبان، فإنهم سيظلون يعيشون في عالم لم يطرأ عليه تغيير».
لكن تفعيل برامج مثل تلك التي تحدثنا عنها في السطور السابقة، بهدف تغيير سلوكيات هؤلاء الصبية، يمكن أن يساعدهم على أن يغيروا مجتمعاتهم بأنفسهم، لا سيما إذا تم تحديد الأسباب الحقيقية التي تؤدي للتصرف على نحو يُميّز بين الجنسين، ومن ثم تطبيق حلول لذلك على المستوييْن الفردي والمجتمعي.

مقالات ذات صلة