الأخبار العاجلة

هاني فحص الانسان ..وداعاً

رحل السيد المعمم، والانسان، والمثقف، والشاعر، والفقيه، والبليغ، والمفكر هاني فحص. وهل تجتمع كل هذه الخصال في رجل واحد غيره. ولهذا ترك رحيله في قلوب المئات من الذين أحبوه، من لبنان والوطن العربي، حسرة وأسى. لن يطلّ السيد هاني بعد اليوم في ندواته وحواراته التلفزيونية ليمتعنا بصوته الأخّاذ، وعلمه الغزير، وذاكرته الذهبية، وروحه التي تشع محبة وسلاماً ووئاماً وتصالحا مع الاخر بكل أشكاله.
معرفة ومجالسة السيد هاني فحص هي من مكتسبات إقامتي في لبنان خلال التسعينيات وحتى سقوط النظام. مجالسته متعة وفائدة لا توصف، أستمع اليه بلا ملل، كنت أتمنى ان يمتد الوقت الى ما لا نهاية. وكوني ابن النجف ومن عائلة دينية، يسترسل السيد في استحضار ذاكرته عن هذه المدينة التي شكلت جانبا كبيرا من شخصيته ويبدأ باستذكار أماكنها وشخصياتها ومحافلها الثقافية والدينية. كان يتحدث عن النجف بعبرة تعرقل استرساله فتستفز دموع شوقي لها ولاهلي وذكريات طفولتي وصباي فتنهال غزيرة وأنا العاجز آنذاك عن الوصول اليها، كما هو. كان يكرر دائما: “النجف شيء آخر”.
في مدينة النجف الاشرف عاش الراحل وقبله ومعه الراحلان الشيخ محمد مهدي شمس الدين والعلامة محمد حسين فضل الله والعلامة محمد حسن الامين يشكلون ظاهرة انفتاح تتعدى ما كان مسموحا به نجفيا آنذاك، فكانت العودة الى لبنان وحمل السيد هاني فحص همّ فلسطين ورفقته لياسر عرفات ثم تعويله على الثورة الايرانية عام 1979، كل هذا جعل منه إنسانا عابرا للحدود الى ان تنبه الى ان ذلك خللا وليس دائما ميزة. يقول: في لبنان ذهبت وانا المبهور بشعارات الثورة الاسلامية ذات الطابع الاممي فاذا بي أجدهم يتحدثون بالوطن ويتمسكون بهويتهم الايرانية… عندها قررت العودة الى لبنان لاكتشفه من جديد واتخذه وطناً . وفي لبنان الصغير بمساحته، الكبير بتنوعه وملابساته، بدأ يعمل للحوار بما يحوّل التنوع الى عنصر قوة.
في توديعه الى مثواه الاخير، سار خلف جنازته المسلم والمسيحي، الشيعي والسني، الماركسي والاسلامي، العراقي والفلسطيني والسوري فضلا عن اللبناني. كل منهم يقول :كان صديقا، وجميعهم على حق. كان كتلة محبة وانفتاح. لدرجة ان كل صاحب عقل وفكر نير وإيمان حقيقي بالانسان يعدّه صديقا.
مشكلتنا ان خسارة هؤلاء كبيرة جداً لاننا في أمس الحاجة اليهم، ولانهم يرحلون ولا يتركون خلفهم من يكمل هذا النهج.
رحم الله العلامة الانسان.. هاني فحص.
سالم مشكور

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة