الأخبار العاجلة

كتاب الحداثة والتحديث في دول الخليج العربية منذ منتصف القرن العشرين لمؤلفه عبد المالك خلف التميمي

سياحة في الواقع السياسي والاجتماعي والفكري

سمير خليل

في الدول التي تحكمها انظمة اوتوقراطية تكون صورة النظام السياسي والاجتماعي واضحة جلية، وإذا اضيف اليها وفرة الموارد المالية تكون صورة الاقتصاد واضحة جلية ايضا، منطقة الخليج العربي، تلك البقعة المهمة اليوم في خارطة العالم لما تمتلكه من ثروات وامكانات مادية لذلك يكون الخوض في ماضي ومستقبل هذه الدول الغافية على ضفة الخليج سهلا ومتيسرا.
ولعل من اهم الامثلة التي اضاءت النقاط التي اشار اليها الكاتب هو التطور السياسي والفكري والثقافي في الكويت والبحرين إضافة لتأكيده ان لا مقارنة مع عصر ما قبل النفط والعصر النفطي الا بإشارات من هنا وهناك. (
الحداثة والتحديث في دول الخليج العربية منذ منتصف القرن العشرين) كتاب صادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في تشرين الثاني 2018 للكاتب عبد المالك خلف التميمي يحاول ان يلقي الضوء على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية في دول الخليج العربي والبحث في زوايا هذه الحياة من خلال مفهومي الحداثة والتحديث.
في قراءة لهذا الكتاب حاولنا ان نؤشر المهم من النقاط التي وقف عليها الكاتب والتي ربما يرى غيرنا ما اهم منها او ما لا يتسع هنا لطرحها جميعا، اولا يجب ان نعرف معنى مفهومي الحداثة والتحديث بتعريفهما، فالحداثة او العصرنة، تحديث ما هو قديم، وهو مصطلح يبرز في المجال الثقافي والفكري والتاريخي ليدل على مرحلة التطور التي طبعت اوروبا بنحو خاص في مرحلة العصور الحديثة، او هي الشيء الجديد الذي يعطي صورة معاكسة عن الشيء القديم كما تعرف بانها الانتقال من حالة قديمة الى حالة جديدة.
اما التحديث فيعني جعل الاشياء ملبية لحاجات العصر او تكييفها على وفق المقتضيات الحاضرة، لذلك فالحداثة والتحديث في دول الخليج العربي خلال مرحلة مهمة من تاريخها المعاصر وبرغم الفكر التقليدي المتزمت لنظام اوتوقراطي شكلت معوقا لبعض مراحل تطور المنطقة، فما حدث، تحديث يسبق الحداثة، والمفروض العكس.
يدخل الكاتب في فحوى بحثه فيقول «لمنطقة الخليج العربي اهمية استراتيجية بوصفه ممرا ملاحيا مهما في الشرق إضافة لكونه ميدانا اقتصاديا حيويا لكنه يعاني خللا في التركيبة السكانية، حيث ان اغلب السكان في معظم دولها من الوافدين، فتجربة دول الخليج في العصر النفطي تكاد تكون وحيدة على مستوى العالم التي تعتمد اساسا على النفط والعمالة الأجنبية، فدور النفط من بدايات الخمسينيات بشأن المنطقة من امارات الى دول.
كذلك شهدت منطقة الخليج العربي في النصف الثاني من القرن العشرين (تحديثا) نتيجة عوامل موضوعية تتعلق بعائدات النفط حيث ظهر النفط في هذه المنطقة بكميات تجارية في مرحلة تاريخية كان العالم فيها يحتاج هذه الطاقة، هذه المجتمعات كانت صغيرة وتقليدية في اقتصادها السابق للنفط وفي علاقاتها الاجتماعية (الخاصة) فأخذت تحولا هائلا في بنية المجتمع، عملية التحديث حققت انجازات وصاحبتها سلبيات وكان بالإمكان تجنب الكثير من السلبيات لو سبقت عملية التحديث حداثة فكرية.
وبرغم الفوارق الكثيرة، فان التميمي يقارن واقع الخليج العربي مع اوروبا كالتالي : الحداثة في اوروبا جاءت نتيجة تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية وعلى مدى زمني طويل في حين جاء التحديث في منطقة الخليج عاملا اقتصاديا يتعلق بالنفط، خصوصية التحديث الناجم عن عائدات النفط، فرضت واقعا مختلفا، حتى باتت هذه المنطقة في وضع تحتاج معه الى الحداثة لتخلق التوازن مع التحديث، لان تجربة التحديث في المنطقة لم تسبقها حداثة بالمعنى والمفهوم لهذا المصطلح، ما حدث في الخليج نهضة، وليست يقظة، والنهضة قد تفرز تيارا حداثيا كما تفرز تيارات أخرى.
ويشير الى جانب فكري ومعرفي مهم هو ان التقدم التكنولوجي أحدث ثورة في التحديث والحداثة، وأصبح الانترنيت، الوسيلة لذلك التطور، وبما ان دول الخليج كانت قد دخلت حالة التطور نتيجة عوامل سبق ذكرها، التحديث كان أكثر وضوحا وتجسيدا منذ بداية السبعينيات، دعمه وجود وتطور الثقافة في هذه الدول، والحداثة ادت دورا مصاحبا لعملية التحديث، وشيوع ثقافة جادة وجيدة على الرغم من (نخبويتها) حملت رسائل حداثية، مهدت للكثير من التحولات بطريق مباشر وغير مباشر مثل حرية المرأة، وحرية التفكير، وايجابيات تراث هذه المنطقة.
ويؤكد ان التجربة الديمقراطية في الكويت والبحرين والمشاركة عن طريق المجالس البلدية ومجالس الشورى في بقية دول الخليج، منحت هذه الدول مكانة معاصرة بين الدول، واسهمت في تحقيق امنها، وهي عملية اصلاح وتطور للانتقال من النظام السياسي التقليدي الى النظام الحديث، وهي ايضا عملية تكيف مع مستجدات الظروف المواكبة لتطور الدول، والتعايش مع تقدم الدول الاخرى، كما ان تطور الممارسة الديمقراطية يحقق امنا للسلطة ولشعوب المنطقة.
تمكنت هذه الدول من الانتقال سلميا من نظام الامارة الى الدولة الحديثة، ما يعني قدرة انظمة الحكم فيها على التطور، ونقصد هنا التطور بجناحيه الحداثة والتحديث على الرغم من اقرارنا بان التحديث لم يستند الى حداثة فكرية، لكنه مر بالتجربة والانفتاح، وتحول من فردي وعائلي الى مؤسساتي وانفتاح سياسي واجتماعي واقتصادي، كالترشيح للانتخابات، وحرية المرأة، اكتشف الناس ان عملية التطور لا تتم الاعن طريق مؤسساتي وتطوير للقوانين، قوانين الجنسية والبنوك والتوظيف والقضاء والمرور وقانون الترشيح للانتخابات الخاص بالمرأة، بعد ان كان خيالا.
كذلك كان وجود جامعة مختلطة في السعودية ضربا من الخيال، وعلى مستوى التحديث، انتشرت الجسور والقطارات وسكك الحديد ومشاريع المياه والصرف الصحي والموانئ والمطارات، وتنفيذ كل تلك المشاريع كان يتطلب ايجاد مؤسسات قادرة على تنفيذ تلك المشاريع.
أدرك المثقفون في منطقة الخليج العربي منذ بدء النهضة في منطقتهم ان المسألة لا تقتصر على وجود الثروة من عائدات النفط، فالنهضة والحداثة في بلدانهم تتطلبان اصلاحا سياسيا، لذلك سعى الوطنيون منذ البداية للمطالبة بالإصلاح السياسي، فقد سعى الكويتيون والبحرانيون ونخب مثقفة من دول الخليج الاخرى الى التركيز على ذلك المنحى.
ويركز الكاتب على جانب مهم جدا وهو ما يتعلق بالخطاب الديني لما لهذا الجانب من اهمية كبيرة ويتابع :يصف المتطرفون الاسلاميون التوجه نحو الحداثة بالمؤامرة الغربية ومحاكاة الغرب كارثة على الاسلام والمسلمين وهؤلاء صنفين :الاول جماعة الاسلام السياسي، جماعات منغلقة لا ترى ولا تريد ان ترى التطور من حولها، وليس كل ما انتجته الحضارة الغربية المعاصرة لا يصلح، او يمكن تجنبه، فنحن نعيش آثاره ونستعمل ادواته بما في ذلك الافراد والجماعات التي تستنكر ذلك، لابل ان معظمهم درس في جامعات غربية، وعاش سنوات في الدول الغربية يأكل من مطاعمها، ويستعمل وسائلها على الرغم من ان الحداثة عندهم بدعة غربية، ويتبع ذلك بأن تجديد الخطاب الديني مؤامرة.
ويتناول الكاتب قضية المرأة في الخليج العربي، وكيف تطور موقعها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فيقول: ان تعليم المرأة وعملها في دول المنطقة ظاهرة حديثة، لقد واجهت المرأة صعوبات لتتعلم وتعمل، ثم لتنال حقوقها المدنية والسياسية، وهنا نذكر ان المرأة في البحرين والكويت كانت في مقدمة النساء في التعليم والعمل، وفي نيل الحقوق، ثم جاء تقدمها في بقية الامارات، ومن ثم دول المنطقة.
لقد أسهم التشدد الديني والاجتماعي في تحجيم وتهميش دور المرأة، ولكن سنة الحياة فرضت دخولها معترك الحياة تعليما وعملا ومساواتها في الحقوق في مجتمعاتنا المعاصرة، واسهم الرجل في نيلها تلك الحقوق، لان تحرك المرأة في هذه المجتمعات كان محدودا.
ان الموقف السلبي من عمل المرأة وتعليمها كان له تأثير كبير في قضايا التربية ومنجزات التنمية وغيابها عن سوق العمل لأسباب دينية واجتماعية وثقافية يعد من معوقات التنمية، حيث يقل معدل المساهمة في النشاط الاقتصادي، ويسود الاعتماد على العمالة الوافدة مما يكون له اثر سلبي للمرأة والمجتمع.
الخلاصة ان الثروة وحدها لا تصنع تنمية ولا تقدما، ان الصورة ليست مشرقة تماما في دول الخليج العربي، ولكنها مقبولة مقارنة بغيرها، وتحتاج الى خطوات اصلاحية لمحاربة الفساد والهدر في حياة شعوبها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة