الأخبار العاجلة

التشكيلي جمعة الناشف: المرأة حديقة رخامية بيضاء

عبد الكريم البليخ

من الفقر المدقع، الذي حطّم الكثير من رغباته، المكان الذي عاش فيه، إلى النقلة التالية من حياته، وعيشه فترة طويلة في بيروت، ومن هنا كانت بداية الألف ميل، والتي بدأها بخطوة واسعة!
في صالاتها، لمع نجمه، وعَرفه الناس، وشارك بلوحاته، وتماثيله في معارض فردية. أضف إلى ذلك الأعمال التي كان يقوم بها، من رسم وحفر على الصخر.
هذا هو الفنان السوري الفراتي، جمعة الناشف، الذي كسر حاجز الصمت والخوف والحاجة.
ولادته كانت تحمل الكثير من العسر، والسبب الوضع المادي الصعب الذي رافقه منذ الصغر، وقبل أن يعي هذا الفن الذي أخلص له، ووفّر له كل إمكاناته، وهو الهواية الوحيدة التي تتطلب منه شراء المواد الخاصة بها لممارستها، وحتى يتمكن من رسم لوحة فنية، أو شراء قطعة رخام، أو غير ذلك، وهذا كان من غير الممكن تحقيقه، لأنه كان بحاجة إلى المال الذي لم يكن يملك منه شيئاً. والسبب الظروف السيئة التي تعيشها أسرته، ووالده الوحيد الذي كان هو من يتحمّل أعباءها على كاهله، وأخوته الصغار الذين عاشوا في وضع مزرٍ بسبب الفقر المدقع الذي كانوا يعيشونه، وهذا ما اضطره إلى العمل، وخوض تجاربه المختلفة، ومنذ اليفاع، حتى تمكن من شراء اللوازم الضرورية لإكمال اللوحات التي كانت تُطلب منه، أضف إلى الفرشاة، والألوان والأقمشة، وغير ذلك من المواد التي يتطلّب توافرها كي يمارس هوايته.
«في لوحات الناشف دلالات وإشارات كثيرة النضج، تقود إلى الماء، والسماء، والتراب، وتتشابك لتصنع شخصية واحدة، هي بطلة الأعمال كلها، المرأة»
إصراره، واهتمامه وحبّه لهوايته، حقق العديد من النجاحات، وبدأت أولى رسوماته، وهذا ما لفت نظر معلمه في المدرسة، وأصدقائه، وكل من عرفه في المكان المتواضع الذي عاش فيه، فترة صباه، وبعضاً من شبابه.

شخصية فنية
هذا التحدي، جعله يكمل مشواره الفني، وبالفعل مارس هوايته، وبرغبة شديدة، وبتشجيع من أخيه الدكتور أحمد الذي طالما يرسم له معالم الحياة، ويوجهه، ويرشده، ويقوّم اعوجَاجه وأخطاءه، ويشير إلى الطريق الصحيح، ويقوم بنقد اللوحات التي يقوم بتشكيلها. ومن هنا، ظهرت عليه علامات جديدة، وانفتاح آخر على عالم كان الإبداع هو أول صورة من صوره، والنجاح هو الطريق الأسلم الذي حاول أن يكون عنوان حياته المستقبله، ومن هنا تشكلت لديه قناعة تامّة بأن يكوّن حسّاً جمالياً فريداً، وأن يحقق شخصية فنيّة تختلف كلياً عن زملائه الذين درسوا الفن في المعهد.
في لوحاته دلالات وإشارات كثيرة النضج، تقود إلى الماء، والسماء، والتراب، وتتشابك لتصنع شخصية واحدة، هي بطلة الأعمال كلها، المرأة.
والمرأة لدى الناشف هي المُلهمة، وهي الفنجان، والقهوة، والعطر، والكلمة، والحديقة الرخامية البيضاء التي أضافت من خلال مجموعة من المنحوتات التي توسطت صالة العرض الكثير من الإيحاء المتين تشكيلياً ونحتياً في آن معاً. وتأثر بفن النحت الذي يزاوله كفن قائم بذاته، وله دور كبير في الرسم الذي قدمه، فكان هذا التزاوج بين النحت والرسم كتجربة فنية يعيشها في الواقع لأن الاثنين يعيشان بداخله معاً.

ألوان زاهية
تغلب على أعمال الناشف الألوان الزاهية البديعة، التي تحتاج إلى قراءة متأنية، وفي الفترة الأخيرة، أراد أن يُقيم معرضاً إهداء لوالدته التي رحلت عن الحياة منذ فترة وجيزة، فاختار اسماً لمعرضه هذا «وجه أمي»، والذي أقيم في قصر اليونيسكو في بيروت.
قدم الفنان جمعة الناشف 40 لوحة زيتية إلى أمه الكبرى، وهي وجه سورية. فرسم الأرض، والفن، والثقافة، ونهر الفرات في مدينة الرّقة، مسقط رأس الفنان، لذا يحب وصفه بالفنان الفراتي، كما تحس من الوهلة الأولى أنّ الفنان يهتم بالألوان المشرقة والمتفائلة، وهي اللغة الأسهل للوصول إلى الإنسان العادي وحتى ينسجم معها، وتقرأ في لوحات الفنان جمعة الناشف جملة لونية واحدة طغى عليها اللون الأخضر لتفاؤله بالخير والسلام، على الرغم من أن وجه أمه الوطن لم يلملم الجراح، ولم يكفكف الدموع بعد.
«قدم الناشف في اليونيسكو 40 لوحة زيتية إلى أمه الكبرى، وهي وجه سورية. فرسم الأرض، والفن، والثقافة، ونهر الفرات في مدينة الرّقة، مسقط رأس الفنان»
التأكيد على موضوع المعرض. ماذا يعني المعرض؟
المعرض الأخير أطلقت عليه «وجه أمي»، وانطلقت إلى المعنى الأكبر الذي أحس فيه، وهو وجه بلدي سورية، الأرض والإنسان»، وعن الوضع الحالي الذي تمر به سورية، قال:» هي التاريخ والحضارة. فلماذا هذا الخراب والدمار الذي حلّ بها، ولماذا لا نكون نحن السوريين وجهاً واحداً، كما صورته في لوحة واحدة ضمن شرائح مختلفة، وهو وجه سورية، سورية الأحرف المسمارية، والتي تعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام، سورية التاريخ، وورقة الزيتون، والموسيقى والفنون.. والبحر والنهر والجبل.
جمعة الناشف ما زال ينبش ويحفر ويتوغل إلى ما وراء المعاني، والى ما خلف القماشة، والحجر، فهو يقدم أعمالاً أكثر انتقائية، وانتماء حقيقياً للتراث والذاكرة معاً، فسورية هي الأم الكبرى التي ألهمت الفنان الناشف فناً تشكيلياً بدأه في بلده، ويكمله اليوم في مكان إقامته لبنان الذي يعتبره بلده الثاني.

*ضفة ثانية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة