الأخبار العاجلة

رواية سعد سعيد صوت خافت جدا الرواية النسوية من وجهة نظر الرجل..

عبد الغفار العطوي

الدراسات النسوية فيما يخص السرد الروائي النسوي، لا تؤشر على إشكالية مصطلح (النسوية)(1) فحسب، بل تتعداه الى إشكالية الكتابة (النسوية) (2) فإشكالية المصطلح تعتبر مدخلا في فهم الاتجاه نحو الكتابة في عالم الرواية النسوية الذي ارتادته المرأة وهي تثير زوبعة من التساؤلات حول إمكانية التفرد، او المشاركة في الكتابة، فمازالت النسوية تعاني من غموض في تحديد ذاتها او بنيتها ودلالتها المجردة، بل وتتجاوز الى مدى ابعد من ذلك لدرجة اربكت المشتغلين عليها، و لصعوبة استيعاب اهدافها واشتغالاتها دون الوقوع في الالتباس المفهوم، فإن استطعنا الالمام بحقيقة المصطلح قدرنا ان ننظر الى حيثيات الكتابة النسوية من ناحية مصادر نشوئها، لأننا سنركز على غاية الكتابة النسوية، وشروط إنتاجها ومشغلاتها، فيما إذا كانت تلك المشغلات تنتمي الى المرأة ذاتها بعينها وفعلها ام تقف إزاء التوصيف المفهوم فحسب، تعترف الدراسات النسوية إن صفة تأنيث العالم وجعله ينقاد الى رؤية انثوية، من اولويات التمييز الجندري الذي ميزته النسويات ، وعلقت السبق في وضعه نصب مهماتها، لأننا سندرس الاثر الذي يحدثه المصطلح في متون السرديات، فيما يطلق عليه بلاغة السرد بين الجنسين، والمراد بالبلاغة هنا تحقيق الرواية، والقصة القصيرة لجوهرها فكريا و فنيا، ومحاولة المتلقي الوصول الى ذلك خلال تفاعل بينه وبين النص(3)، بيد ان كتابة المرأة التي تميل الى تأنيث العالم، وهي الفكرة التي تصطدم بخطاب الهامش الذي يكشف إحساسها بالاستلاب، ومحاولة فرض الكتابة المغايرة، لا تقدر على الانعتاق من مركزية الكتابة الذكورية بالسهولة التي نتوقعها، وتتوقعها الكتابة النسوية فمصطلح ( النسوية ) لا يقف عند تعريف واحد، وهذا جيد ماذا يعني في النقد النسوي برأي احد الباحثين إذن : هل يعني به النقد الادبي الذي تكتبه النساء؟ ام النقد الادبي الذي يكتب عنهن؟ ام نقد الادب من وجهة نظر المذهب الذي يدعو الى تحرير المرأة ؟(4)، لأن معنى ( النسوية ) سياسي تاريخي بالدرجة الاولى، لكنه احتل المركز المتقدم في المكانة الايديولوجية الثقافية (5)، فارتباطه بالكتابة هو الاساس في تحوله نقدا، ومن ثم ادبا وسردا، لكن هذا المصطلح يشمل الكتابة التي تعنى بالمرأة في كل الاحوال، و ليس بالضرورة ان تكون الكتابة في النسوية، أمام رهانات الفاعل المؤنث وحده، ما دام القول إن الكتابة لا تشترط ذلك، يكفي ان نعرف النص النسوي بأنه النص الذي يأخذ المرأة كفاعل في اعتباره (6) لهذا عندما يكون الفاعل رجلا كما سنرى الروائي سعد سعيد، يعطي لقيمة الكتابة النسوية ذات الاهمية، باعتبار التمركز الكتابي يساوق التمركز المفهومي حول منهجية الكتابة، في روايته ( صوت خافت جدا) (7) الكتابة عن المرأة عنده تتفاعل مع كونه رجلا يتقمص كينونة المرأة، أي الوقوع في التحايل السياسي للنسوية، في إلزام الطرفين في عملية فخفخة التساوي بين الجنسين، لأنهما سيكونان دوما فاعلين في نص الرواية او خارج مفهوم التبادل ( تأنيث الذكر و تذكير الانثى)، الكاتب سعد سعيد يتخلى في روايته عن نصف الكتابة للبطلة الوحيدة التي تكشف عالمه الروائي، ولا يمانع ان يتخذ دور المراقب والرقيب في آن، لنجد عدم قدرة انفلات حياة البطلة( سفانة ) عن مركزية الذكورة، التي تظهر جلية في المعرفة التي يراها سعد سعيد لتبدأ هكذا: العزيز الغالي فارس- لا بد انك قد ظننت بي الظنون بسبب انقطاعي عنك و عدم اتصالي بك و لكن عم اتحدث؟ ( ص 9) وهذا يعني ان الروائي يتعمد ان تكون العلاقة بينه و بين المرأة ( سفانة) تبادلية في ان يهبها الأنا والتمكين، وهي بدورها تثريه بالهيمنة الذكورية، التي وصفها بيار بورديو لكوننا متضمنين، رجلا او امرأة، في الموضوع الذي نسعى الى تعقله، فإننا استدمجنا في شكل ترسبات لا واعية من الادراك وتقدير البنى التاريخية للنظام الذكوري(8) إذاً التبادلية تتم عبر انسيابية مونولوجات (سفانة) في الانية اللاواقعية و هي تتعامل مع شكل امرأة او شبح او طيف ذات انثوية نكتشف ان لا وجود و لا حياة لها إلا في مداخل البطلة، و تكرر اسمها (فضيلة) ، بينما نجد الكاتب يتمظهر بالذكورة العقلانية المركزية ( في صورة د فارس) أو المفرطة بالبوهيمية ( عباس و نمير و عبود) او الشاذة كذلك ( اخو سفانة الذي تلصص عليها وهي تتعرى وتلتذ بعريها المحرم) (162-166) وتتحول الى رابط اخلاقي يلزم الكاتب سعد سعيد ( سفانة) بالتقيد به في صراع الانثى بصورها اللاأخلاقية( بشرى و سلوى ) او صورتها الاخلاقية الساكوباثية، لأنها وفق ( جاك لاكان ) تتأرجح بين المحلل في الرغبة في الحب ( مع د فارس) و المحرم في الجنس المدنس ( مع جارهم العجوز)(9)، وإن كنا نفهم بعد كل ذلك إن كتابة الرجل لرواية المرأة في غرضه الاساس تضخيم الصوت الخافت (النئيم) الذي يعصف بجنوسة المرأة، و إن استتبع المتعة والاستمتاع بالصور الايروتيكية التي تشحنها المركزية الذكورية بالدفع بالمرأة الى الهامش، حتى نرى ان فضاء رواية سعد سعيد عبارة عن اثنوغرافيات نسوية في ذاكرة رجل، لا يمكنه سوى التلذذ و هو يخترع عينات من نساء يعانين من سايكوباثيات مزمنة، تحت طائلة الفقر والجوع الطبقيين المغلفة بالهوس الجنسي، و تظل الرواية النسوية من وجهة نظر الرجل تفضح محاولات النبذ التي تمارسها المرأة في هامشها، الذي يختاره لها الكاتب بتدليسه الذكوري.

إحالات:
1 – د- عصام واصل الرواية النسوية العربية مساءلة الانساق و تقويض المركزية الطبعة الاولى 2018 دار كنوز المعرفة عمان ص 19
2 – ثقافة النسق قراءة في السرد النسوي المعاصر رشا ناصر العلي المجلس الاعلى للثقافة القاهرة ط1 2010 ص 10
3 – بلاغة السرد بين الجنسين تأليف دكتور سعد ابو الفضل الهيئة المصرية العامة القاهرة 2011 ص 9
4 – الرواية النسوية العربية مصدر سابق ص 19
5 – المصدر نفسه ص 21
6 – ثقافة النسق مصدر سابق ص 10
7 – صوت خافت جدا رواية سعد سعيد الطبعة الاولى 2019 الناشر دار شهريار العراق – البصرة
8 – الهيمنة الذكورية بيار بورديو ترجمة سليمان قعفراني المنظمة العربية للترجمة بيروت الطبعة الاولى 2009 ص21
9 – معجم تمهيدي لنظرية التحليل النفسي اللاكاني ديلان ايفانس ترجمة د- هشام روحانا دار نينوى دمشق الطبعة الاولى 2016 ص 195

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة