هشام المدفعي اعتادت الصباح الجديد ، انطلاقاً من مبادئ أخلاقيات المهنة أن تولي اهتماماً كبيرًا لرموز العراق ورواده في مجالات المعرفة والفكر والإبداع ، وممن أسهم في إغناء مسيرة العراق من خلال المنجز الوطني الذي ترك بصماته عبر سفر التاريخ ، لتكون شاهداً على حجم العطاء الثري والانتمائية العراقية . واستعرضنا في أعداد سابقة العديد ...
" />

نحو عراق جديد سبعون عاماً من البناء والإعمار

هشام المدفعي
اعتادت الصباح الجديد ، انطلاقاً من مبادئ أخلاقيات المهنة أن تولي اهتماماً كبيرًا لرموز العراق ورواده في مجالات المعرفة والفكر والإبداع ، وممن أسهم في إغناء مسيرة العراق من خلال المنجز الوطني الذي ترك بصماته عبر سفر التاريخ ، لتكون شاهداً على حجم العطاء الثري والانتمائية العراقية .
واستعرضنا في أعداد سابقة العديد من الكتب والمذكرات التي تناولت شتى صنوف المعرفة والتخصص وفي مجالات متنوعة ، بهدف أن نسهم في إيصال ما تحمله من أفكار ورؤى ، نعتقد أن فيها الكثير مما يمكن أن يحقق إضافات في إغناء المسيرة الإنمائية للتجربة العراقية الجديدة .
وبناءً على ذلك تبدأ الصباح الجديد بنشر فصول من كتاب المهندس المعماري الرائد هشام المدفعي ، تقديرًا واعتزازًا بهذا الجهد التوثيقي والعلمي في مجال الفن المعماري ، والذي شكل إضافة مهمة في مجال الهندسة العمرانية والبنائية وما يحيط بهما في تأريخ العراق .
الكتاب يقع في (670) صفحة من القطع الكبير، صدر حديثاً عن مطابع دار الأديب في عمان-الأردن، وموثق بعشرات الصور التأريخية.
الحلقة 45
قمت بزيارة أبو ظبي في أقرب فرصة والتقيت بصاحب الشركة وتحدثنا في بعض التفاصيل لفتح المكتب والأهداف ، وبعد الحصول على تفاصيل ظروف العمل ومتطلباته في ابوظبي عدت الى عمان لتهيئة تقرير الزيارة . وأنا في عمان مساء وصولي اتصل بي أحد الاصدقاء راجيا مني أن أنتظر وألتقي مع ممثلين لشركة من أبو ظبي باسم « بالحصى» ، الذين سيصلون الى عمان مساء ويرغبو في زيارة بغداد معي صباح غد ، لبحث علاقة العمل مع مدراء شركة « البشائر» في بغداد. كيف يصلون الى بغداد معي وليست لديهم فيزا لدخول العراق . وصل ممثلوا شركة « بالحصى» ليلا وحضروا لقائي في الصباح التالي . وبعد التعارف والترحيب علمت أنهم وصلوا ليلا … وراجعو القنصلية العراقية فورا وحصلوا على فيزا لدخول العراق وهم مستعدون . كيف فتحت القنصلية ابوابها ليلا ؟ والآخرون ينتظروا أياماً قبل الحصول على الفيزا ؟ وكيف تفتح القنصلية ليلا لمنح الفيزا لأشخاص من غير الحكوميين ؟ هذا امر ملفت للنظر!
حضرنا الى بغداد وفي اجتماع مع مدير شركة البشائر عرضت تقريري كاملا وبينت تردد الشركة الاولى في بناء علاقة مع البشائر وعرضت موضوع شركة « بالحصى» واستعدادهم للاتفاق .
أبرمت اتفاقاً مهنياً بيننا كاستشاريين مع شركة بالحصى وعلى ان نعمل كاستشاريين من أبو ظبي وقدمت مديرها الى مدير البشائر . مدير شركة بالحصى كان أحد رجال الأعمال الفلسطينيين ويصحبه احد الشباب الظبيانيين الذي تعرفت علية بأنه ابن صاحب الشركة في الامارات وشركتهم لها أعمال كبيرة . تم التعارف بيننا ومع شركة البشائر . استمرت الاجتماعات ليومين لبحث تفاصيل واهدف عملنا . ومن هذه اللقاءات وخلالها وبعد ان توضحت اعمال بالحصى وتشعبات عمل مديرها المفوض ، لاحظت امتداد الاحاديث وتوجيه دعوات لزيارة الخليج ومشاهدة الأعمال وان تبتدئ العلاقة بيننا عند عرض مشروع هندسي مهم من قبل البشائر .
لم يكن هناك أي مشروع ، إلا اني لاحظت امتداد الأحاديث بين المدراء حول علاقة بين السفير الروماني في أبو ظبي مع المدير المفوض لشركة بالحصى وبحثت معلومات حول انواع معينة من الصواريخ واسلحة اخرى . درست الموضوع بعدئذ مع صاحبي أمين زوين ونبهته الى خطورة استمرار علاقتنا مع البشائر وبالحصى.
وفي حالة اخرى بالوقت الذي كنا كلنا مندفعين وواقفين ضد الحصار الأمريكي والامم المتحدة ومساعدة الحكومة العراقية عند طلب مساعدة لبناء الصناعة العراقية خلال الفترة الصعبة هذه ، طلبت شركة البشائر شراء نوع معين من معامل صناعة حامض الكبريتيك لإحدى شركات التصنيع العسكري . وبعد الاتصال مع حمدي في عمان ، أعلمنا عن قرب وصول وفد من الخبراء والصناعيين الى بغداد حول هذا الموضوع .
كنت اساعد زميلي امين في كل الاجتماعات بأمرين، الاول عن ما يتطلب من معلومات حول الاعمال الاستشارية الهندسية لإنشاء معامل أو مشاريع هندسية ، والثاني أحاول ان اكون مترجما للعديد من التفاصيل الفنية والمهنية بين الروس والعراقيين . وعند وصول الوفد الروسي واتمام التعارف بيننا ، التقينا مع شركة البشائر وقمنا بتقديم الوفد الروسي الذي كان منه اثنان من خبراء صناعات حامض الكبريتيك المهمين في الاتحاد السوفياتي سابقا ، وبعد ان أعلمنا الوفد الروسي عن توفر عدد من المعامل المتروكة من الاتحاد السوفيتي السابق والتي تم تفكيكها وتجديدها وهي جاهزة للتصدير عند الاتفاق . دخلنا بتفاصيل بحث المعامل والتركيب والانتاج . حضرت مجموعة اخرى من خبراء التصنيع العسكري المتخصصين بمعامل مماثلة … تطور الحديث عن ما تركه الاتحاد السوفيتي من معامل وتوزعت الملكيات الى واحدة من الجمهوريات المستقلة ، وما تركه الاتحاد السوفيتي من خبراء .
فتح موضوع الاصباغ والألوان المتخصصة بشكل او آخر ، واذا بأحد اعضاء الوفد الموجودين معنا هو من المختصين بصبغ الطائرات واساليب تفاديها لأشعة الرادار . تطور الحديث حول صبغ الطائرات وامكانية بعض الاصباغ المتخصصة تفادي اشعاعات الرادار … تأجل الاجتماع الى اليوم التالي ، واذا بحضور عدد من ضباط القوة الجوية لبحث مواضيع الاصباغ . توسعت البحوث مع الخبراء الروس الى بحث تفاصيل الاصباغ من قبل البعض وآخرين يبحثون معامل حامض الكبريتيك وضباط عسكريين يرغبون في بحث كيفية تفادي الصواريخ من الجو والارض … وتوسع البحث وتوسعت التفاصيل وإعداد الخبراء العراقيين المعنيين بالبحوث من المدنيين والضباط ، لبحث كل انواع الصواريخ ومزايا كل صاروخ .
لاحظت ان هذا الموضوع قد خرج عن اختصاص مشاريع الهندسة الاستشارية ، ولاحظ أحد الضباط المشتركين بالبحث برتبة عميد هذه الحقيقة على وجهي في نفس الوقت ، وأشار علي طالبا كلمة جانبية خارج الاجتماع … وفي خارج قاعة الاجتماع فاتحني قائلا « يا سيد مدفعي» ما لك وهذه الامور خارج اختصاصاتكم … وبكل احترام رجاني ناصحا لي ترك الاجتماع والاعتذار عن الحضور. تركت الاجتماع واعلمت زميلي أمين زوين بكل هذه الامور خارج اختصاصاتنا وليتصرف بالطريقة نفسها . أعلمنا البشائر باننا غير معنيين بمشاريع غير هندسية وتوقفت علاقتي معهم عند ذلك.

العمل مع الشركات الصينية سنة 2000
وان كان فرض الحصار على العراق لم يسمح للشركات الكبرى للعمل بشكل مباشر إلا ان البعض من الشركات الصغيرة حاولت العمل عن طريق طرف ثالث وقد تمكنت من الحصول على عقود عمل من بعض الوزارات .
وكما نشطت الشركات الروسية في العراق في
سنوات 2001 و 2002 ، نشطت كذلك الشركات
الصينية في اعمالها ، كانت بالطبع جميع أعمالنا مع
الشركات الصينية مرتبطة بالدكتور حمدي التكمةجي في عمان كما في الشركات الروسية . حضر ممثلو شركة CNCCCأي «شركة الصناعات الكيمياوية الوطنية الصينية» من عمان والتقينا أنا و أمين زوين معهم في سفارتهم في حي السفارات في بغداد . وفي اليوم التالي زرنا وزارة الصناعة وقمنا بتعريفهم على ممثلي وزارة الصناعة والمشاريع المطلوب العمل عليها . من المشاريع المهمة كانت ، تجهيز معدات مشروع الاطارات في النجف , وانشاء مشروع الشب في المشراق, وصيانة واعادة و تشغيل معمل الاسمدة الكيماوية على شط العرب في ابو الخصيب – البصرة وبناء مشروع جديد لكربونات الصودا.
مشاريع عديدة وكبيرة جدا. تدارس الوفد الصيني هذه المشاريع ووضع منهاج عمل للزيارات . زرنا مشروع الاطارات في النجف واطلعنا على حاجاته من معدات ومكائن ولاحظنا ان هذا المعمل الكبير الذي قد شيد حديثا قد تم وضع تصاميمه من قبل شركة «بيريللي» الشركة الايطالية المتخصصة بالإطارات وقد تم بناؤه وتحضير منشآته بشكل متميز وبمستوى عالي و تم تجهيزه بكميات هائلة من المعدات والمكائن التي قد تم نصب القليل منها للمباشرة بالعمل وكل المعدات والمكائن الاخرى قد بقيت في المشروع في صناديقها وتعرض البعض منها الى القصف والتدمير اثناء حرب الكويت. كانت الاعمال تنفذ في تلك الفترة على ضوء الخطة الوطنية واطلق عليها « مشاريع النفط تجاه الغذاء والدواء « والمبرمج من قبل مجلس الأمن للامم المتحدة . تعددت زياراتنا أنا والسيد امين زوين الى النجف ومع مدراء الشركة الصينية احياناً ، الا انه وبعد أشهر عديدة من التعاون بيننا مع شركة صناعه الاطارات العراقية لم تستطع الشركة الصينية إلا التعاقد على تجهيز مكائن قليلة لإكمال تصنيع الاطارات بالمواصفات العراقية . وبعد التعاقد مع وزارة الصناعة عن طريق طرف ثالث فوجئنا ان وزارة الصناعة بلغتنا شفويا بشرط جديد وهو على المجهزين ان يزيدوا قيمة العقد بنسبة 10% . وعند وصول البضاعة الى الميناء أن يلتزموا بدفع هذه ال (10 %) من قيمة العقد نقداً الى وزارة الصناعة وذلك لتوفير مبالغ تكون تحت تصرف الوزارة ولا ادري مالذي حدث لهذا العقد بعدئذ.
ولدى زيارتي مع الوفد الصيني الى شركة الكبريت في المشراق(حمام العليل) جنوب الموصل ، اتضح الينا أن لدى شركة المشراق كمية تقارب المليوني طن من الكبريت الاصفر المنتج والمكدس في مخازن حمام العليل ،على شكل جبل ارتفاعه نحو 4م . من نتيجة المباحثات اتضح ان شركة الكبريت ترغب في انشاء معمل جديد متطور لإنتاج مادة الشب الذي يدخل الكبريت في انتاجه الى درجة كبيرة ويستعمل في مشاريع تصفية الماء في انحاء العراق وان استيراده حاليا يكلف الدولة ملايين الدولارات سنويا . لذا انحصرت متطلبات شركة المشراق في طلب المساعدة لبيع الكبريت الى الصين والحصول على معمل لتصنيع الشب بطريقة علمية جديدة .
عملنا مع الصينيين خلال أشهر. على وضع تصاميم معمل الشب على مبدأ تسديد كلفة التصاميم وبناء المعمل من الكبريت المباع عاد الوفد الصيني الى بلاده وبعد فترة من الزمن عاد الى بغداد ومعه تصاميم لإنشاء معمل كامل لصناعة الشب من الكبريت وفق أحدث الطرق العلمية مع كشف كامل بالكلف واسلوب التنفيذ . إلا أن شركة كبريت المشراق لا يمكنها ان تبيع هذا الانتاج في الاسواق العالمية بسبب الحصار. هناك تجار الكبريت المتواجدون في سوريا ولبنان يرغبون ويتكالبون على شراء الكبريت العراقي من المشراق لتصديره الى أنحاء العالم ، وشركة كبريت المشراق ترغب في بيع إنتاجها لتطوير نفسها وبناء المعمل الجديد، كما أن سعر بيع الكبريت آنذاك في حمام العليل يقل بمرات عن السعر العالمي، إلا أن عقدة الحصار تحرج الجميع وذهبت جميع الجهود هباء بسبب الحصار على الشعب العراقي وعدم تمكن الشركة الصينية شراء وبيع الكبريت عن طريق طرف ثالث رغم بخس الاسعار.
تداولنا كمكتب دار العمارة وأمين والشركة الصينية مع وزارة الصناعة على تطوير معمل الأسمدة الكيمياوية المشيد في ثمانينات القرن العشرين من قبل شركة» متسو بيشي « قرب مدينة أبو الخصيب جنوب البصرة على شط العرب لأغراض التصدير. هذا المعمل تعرض خلال فترات الحرب الايرانية العراقية الى قصف مدفعي مستمر من الجانب الايراني ودمرت العديد من منشآته بالإضافة الى صدأ العديد من السايلوات والهياكل الحديدية من منشآت المعمل وتضرر البنى التحتية للمعمل.
يغذى المعمل بغازات النفط من شركة نفط الجنوب عن طريق انبوب خاص من حقول الزبير وينتج مادتين هما الأمونيا والاسمدة الكيمياوية لأغراض التصدير الى آسيا بشكل رئيس للزراعة. تطلب العمل أن يدرس المشروع الذي تعرض الى القصف المدفعي العنيف خلال الحرب العراقية الإيرانية خلال ثمانينات القرن العشرين , الى توفير ثلاثين خبيرا ليسكنوا في المشروع ولينكبوا على دراسة الوحدات الانتاجية للمعمل . حضر الخبراء الصينيون واصطحبناهم الى ابو الخصيب وسكنوا في المعمل بالاتفاق مع ممثلي وزارة الصناعة وعلى مدى شهر من العمل المستمر والدراسات ، عاد الوفد الى الصين وبعد فترة من الزمن عاد الوفد الى بغداد ومعهم تفاصيل كاملة لإعادة اعمار المعمل ومع كل الشروط المطلوبة للتعاقد . تم وضع عرض كامل لدراسة كل جزء من أجزاء المعمل والقيام بالإصلاحات المطلوبة لإنتاج الأمونيا أولا كيما تستعمل وارداتها لإصلاح معامل انتاج الأسمدة . قدرت كلفة الأعمال بنحو (50) مليون دولار. وبعد اشهر من المداولات مع وزارة الصناعة لم يكن بالإمكان تجاوز متطلبات الحصار ولم يتخذ اي قرار نهائي بذلك .
استمرت نشاطاتنا مع الصينيين على مدى أشهر على وضع دراسات مع خبراء وزارة الصناعة ولوضع تصاميم هندسية لبناء مشروع لإنتاج مادة « بيكربونات الصودا «. لقد تطلب إحضار عدد من كبار الخبراء في صناعة هذه المادة من الصين وكانت النقاشات علمية ومكثفة وجدية , حيث أثبت الصينيون أن لديهم الخبرات العالمية المتميزة لإنتاج هذه المادة كما أثبت الخبراء العراقيون في مختلف الاختصاصات كذلك أن لديهم من الخبرة العلمية ما يضاهي الخبرات المقابلة . لم تكن أدوارنا أنا وأمين قليلة، بل تطلب منا بالإضافة الى مساعدة شركائنا الصينيين ، أن نوفر الخبرات المحلية والظروف المطلوبة لإكمال المواصفات بما ينسجم مع بناء معامل في العراق . تم الاتفاق على مواصفات المواد المصنعة كناتج نهائي والمواد الأولية المطلوبة لذلك وكميات الإنتاج وصولا الى الطاقة التصميمية النهائية للمعمل المطلوبة .
بعد أشهر من المباحثات مع الجهات العليا في وزارة الصناعة وتوقيع الاتفاقات البروتوكولية بين الحكومتين ، بدأت طبول الحرب على العراق تدق بشده وانحرفت اتجاهات تفكير الكثير منا الى ما هو بعيدا عن تنفيذ المشاريع التي نعمل عليها وتكهربت الأجواء وابتعد الصينيون عن العراق كما هو الحال مع الآخرين .

هوايتي بالآثار أثناء الحصار
بعد أن قدمنا مشروع 300 بنجاح الى الدائرة الهندسية في رئاسة الجمهورية وأديت واجبي كاملا تجاه المشروع الذي كلفني به صدام حسين بصورة خاصة ، ونحن بانتظار الحرب بشكل أو آخر كردود فعل على غزو العراق للكويت ، بدأت تحشدات الجيش العراقي على الحدود الجنوبية تأهبا لما قد يستجد تجاه القوات الأمريكية . الجو العام مكهرب والأنظار اتجهت الى التعليقات العسكرية على الأخبار ، ولا ندري ما سيتخذ من قرار حول الهجوم على العراق .
تأثرت أعمالي الى درجة كبيرة بسبب التضخم النقدي واتجاه الدولة الى تشغيل المكاتب الاستشارية الحكومية والابتعاد عن القطاع الخاص ولذا لم يبق لدي أي مشروع أعمل عليه أثناء هذه المرحلة . التضخم النقدي الذي بدأ يضرب الاقتصاد العراقي نتيجة الحصار الاقتصادي … لذا انصرفت في حينها الى الدوام في مكتبنا دار العمارة في شارع المغرب لفترات قصيرة يوميا لمتابعة أخبار العراق أحيانا و ما يستجد من امور هندسية واستقبال الاصدقاء أحيانا اخرى.
بحكم هوايتي التي بدأتها في دراسة آثار الحضارات العراقية القديمة ومتابعة التنقيبات الأثرية السومرية والبابلية والآشورية بقدر علاقتها بمهنة هندسة البناء والاطلاع على ما يستجد من أخبار الآثار والآثاريين . خلال السنوات العديدة من حياتي العملية ومنذ تخرجي من كلية الهندسة ، تطورت علاقتي مع الآثاريين ومتابعة أعمالهم وما يطبع وينشر عن المواقع الجديدة في الحضارات العراقية القديمة ، تعرفت على العديد من الآثاريين العراقيين خلال سنوات عملي ، إلا أنها تطورت في السنوات الأخيرة بعد أن تسلمت مهامي في أمانة العاصمة بغداد واصبحت علاقتي جيدة مع الدكتور مؤيد سعيد مدير الآثار العام والاستاذ فوزي رشيد والدكتور بهنام أبو الصوف ودوني جورج والدكتور وليد الجادر و مهاب البكري عالمة النقود القديمة زوجة الاستاذ سالم الآلوسي وآخرين ، وكنت أحضر العديد من الندوات في مديرية الآثار واقوم بالزيارات الميدانية ايام العطل ونهايات الاسبوع ، بمعية عائلتي أو أصدقائنا الآثاريين والاصدقاء الهواة.
توفر لدى المؤسسة العامة للآثار العديد من العلماء المتخصصين في الآثار العراقية القديمة والآثار الاسلامية والذين كانوا بالنسبة لي كما للآخرين مصدراً غزيراً للحصول منهم على المعلومات عن العراق القديم والاكتشافات الحديثة. تعتبر مكتبة الآثار بالنسبة لي والآخرين موقعاً مهماً كيما ينهل منه المتخصصون الكثير من العلم والمعرفة حول آثار العراق القديم والتراث العراقي . وفي زياراتنا الى مواقع الآثار ، سهل لنا أحيانا الدكتور مؤيد سعيد مدير الآثار العام وبهنام أبو الصوف مدير عام المنطقة الشمالية للآثار زيارة العديد من المواقع الأثرية واستعمال بيوت العمل المخصصة للآثاريين عند التنقيب للسكن مثل القلعة العثمانية في مدينة آشور وفي نينوى. وتعرفت على الدكتور فوزي رشيد الذي اعتبره من كبار علماء الآثار العراقيين لغزارة علمه ومعلوماته في اللغة السومرية والحياة اليومية للسومريين . ومعلوماته الغزيرة بموسيقى الحضارات القديمة و الدكتور وليد الجادر بالإضافة الى كونه صديقاً الا أنه كمختص رافقنا الى ( تل حبة ) في جنوب بغداد و في زيارتنا الى أعالي الفرات حيث الكشف عن عدد من القرى في حوض التنقيب في منطقة سد البغدادي قبل المباشرة في بناء سد البغدادي على أعالي الفرات. لقد كونت حقا تلك المجموعة من الآثاريين ثروة كبيرة من علماء الآثار بعد الاستاذ الكبير طه باقر والمرحوم فؤاد سفر.
وفرت كذلك علاقتي بالآثار فرصة ثمينة في التعرف على بعض الآثاريين العالميين ومنهم الدكتورة هلكا النمساوية التي نقبت في زقورة (برص نمرود) قرب مدينة الحلة وكبار الآثاريين الأمريكيين الذين نقبوا في مدينة «نفر» السومرية في الديوانية بمعية د. بهنام أبو الصوف و د. فوزي رشيد .
كونت لي تلك العلاقات ولسنين طويلة داخل العراق ظروفاً جيدة للتعرف على ما يدور من نشاطات تنقيب واكتشافات لآثار العراق ، أسندت معرفتي بعلوم البناء قديما ودعمتني في الحلقات الفكرية والثقافية التي أدور فيها في مجتمعنا ، في دراسة اتجاهات الفكر والتقنية في البناء القديم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة