لقد برهن الحكم الذي أصدرته إحدى محاكم السماوة بسجن الناشط المدني باسم خشان ست سنوات بتهمة الإساءة للسلطات وفقاً للمادة 226 من قانون العقوبات للعام 1969؛ على عدم خلو سلطة القضاء ومؤسساته من العيوب البنيوية التي تعرقل عملية استرداد العراق لعافيته ومكانته بين الأمم التي وصلت لسن التكليف الحضاري. لقد تطرقنا في كتابات سابقة الى ...
" />

لمن ينتصر القضاء..؟

لقد برهن الحكم الذي أصدرته إحدى محاكم السماوة بسجن الناشط المدني باسم خشان ست سنوات بتهمة الإساءة للسلطات وفقاً للمادة 226 من قانون العقوبات للعام 1969؛ على عدم خلو سلطة القضاء ومؤسساته من العيوب البنيوية التي تعرقل عملية استرداد العراق لعافيته ومكانته بين الأمم التي وصلت لسن التكليف الحضاري. لقد تطرقنا في كتابات سابقة الى صعوبة امتلاك العراقيين للقضاء المستقل، لكنها في نفس الوقت ليست بالمهمة المستحيلة، كما أنها لا يمكن أن تتحقق بمعزل عما يحصل في الميادين الأخرى، وعلى رأسها نوع الطبقة السياسية الحاكمة في البلد، والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية والقيمية التي تحملها. صحيح أن محكمة التمييز ستنظر بمثل ذلك الحكم المجحف والمتنافر والمادة 38 من الدستور العراقي التي تضمن حرية التعبير، وسيكون لها الرأي الفصل في هذا المجال، إلا أن صدور مثل هذه الأحكام من المحاكم العراقية وفي مثل هذا الظرف الذي يمر به العراق (الانتصار على داعش وانطلاق مرحلة إعادة الإعمار) بالإضافة الى ما يلحق من ضرر فادح بسمعة “العراق الجديد” ومساعيه لكسب ثقة المجتمع الدولي، فإنه يؤشر الى ضرورة الالتفات الى أهمية التأسيس لقضاء ينتصر لقضايا الحريات والديمقراطية والتحديث، لا الى “السلطات” وهيبتها المزعومة. بهذه المناسبة نود تذكير العاملين في هذا الحقل الحيوي (القضاء) بالعبارة الخالدة التي أطلقها القاضي الأميركي المعني بالحكم في قضية “ووترغيث” الشهيرة، عندما انتصر للصحافة وحرية التعبير على حساب أعلى سلطة في الولايات المتحدة (البيت الأبيض) عندما قال: (إن مهمة الصحافة ليست الدفاع عن الحاكمين، بل الدفاع عن المحكومين).
علينا جميعاً وبنحو خاص من تنطع للعمل في هذا الحقل الحيوي (القضاء)؛ معرفة طبيعة التحدي الأساس الذي يواجهنا كمجتمع ودولة، جماعات وأفرادا؛ ألا وهو الملف الذي سحقته وغيبته أربعة عقود من الهيمنة المطلقة لـ “جمهورية الخوف” أي الحريات والحقوق المهدورة، والى ضرورة إدراك الصعوبات التي تواجه مثل هذه المرحلة التأسيسية في حياة الأمم والدول. إن أية محاولة لإعادة مناخات الخوف والترويع وتكميم الأفواه، سيسهم بإجهاض مثل هذه التطلعات المشروعة، وسيكون رديفاً لقوى الإرهاب والفساد، بغض النظر عما يدعيه من مبررات وحجج. لا نكشف سراً عندما نقول؛ إن حرية التعبير تعد اليوم أساساً لاستقرار وازدهار المجتمعات، وهذا ما يجب أن تصونه وتحميه التشريعات والمدونات القانونية ومؤسسات القضاء الحر والمستقل. إن المعطيات الفعلية وعلى شتى الأصعدة تشير الى وجود خلل وإخفاق كبيرين في مواجهة مثل هذه التحديات المصيرية، حيث يقبع بلدنا ضمن قائمة البلدان العشرة الأكثر فساداً، كما أن التقارير الدولية قد أشرت مراراً الى ضعفنا وتخلفنا في مجال حرية التعبير، وهذا ما يدركه جيداً العاملون في مجال الصحافة والإعلام، حيث الهيمنة شبه المطلقة لمقاولي الطبقة السياسية المهيمنة على مقاليد حقبة الفتح الديمقراطي المبين. إنها لمأساة حقاً أن لا يدرك القاضي الذي وضع الناشط المدني باسم خشان خلف القضبان وفقاً لتلك المادة البائسة (226) أننا جميعاً كعراقيين (أفرادا وجماعات) ما زلنا نحبو على طريق حرية التعبير، وأن “روح القوانين” تدعوه للانتصار للمدافعين عن منظومة الحقوق هذه، لا مواصلة ذلك الإرث البغيض من تكميم الأفواه وترويع الأحرار المارقين عن اصطبلات العبودية والخنوع..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة