الأخبار العاجلة

ليل المنفى

لويس أراغون
ترجمة: محمد الصالح الغريسي

لا يهم المنفيّ إن كانت الألوان مزيّفة أم لا
قال : لو لم نكن نرفض المظاهر،
لأقسمنا أنّها باريس
إنّي لأسمع الكمان يتصدّر الخندق
قال: إنّها الأوبرا، ذلك الضوء الخلّب المتقلّب
كان بودّي لو رسخت بعينيّ شبه المغلقتين،
تلك الشرفات البرنزيّة المتوهّجة،
ذلك السقف الأخضر
تلك الزمرّدة الباهتة، وذلك الثعلب الذهبيّ
قال: أمكنني التعرّف على تلكم الراقصات المنحوتات من الصخر
و بالذات تلك التي تقودهنّ وهي تلوّح بدفّ،
أعني التي تعكس على جباههنّ ذلك البريق، كما لو كنّ تحت الماء ..
النائم اليقظان يفرك أجفانه
قال : قناديل البحر .. الأقمار .. والهالات بين أصابعي المتناهية في الرقّة
تنكر عليهنّ شحوبهنّ
في الأوبرا المرصعة بالحجارة الكريمة وبالدموع
الأوركسترا بعدد أفرادها الكامل، ترددّ تنهّداتي.
قال : كان بودّي أن أرسّخ في ذاكرتي المجنونة
تلك الوردة المجهولة ذات اللون البنفسجيّ
تلك الفتاة الشبح التي بزيّها التنكّريّ في نهاية الشارع
كانت من أجلنا نحن فقط تغيّر فستانها كلّ مساء
لعلك تذكر تلك الليالي.. إنّ التذكر يؤذيني
كان بها من البروق ما بعيون اليمامات، السود
لم يتبقّ لنا شيء من جواهر الظلّ تلك
الآن صرنا نعرف ما هو الليل
من يؤلّف الحب بينهم، لا عنوان لهم سواه
كانت شفتاك ا تعقدان الرهان في كلّ المساءات،
على سماء من <السيكلمان> فوق باريس
يا أيّتها الليالي أو تكاد، يا ألوان الحنان
كانت قبّة السماء الزرقاء، تمدّ نحوك جسرا من الألماس
لقد راهنت بقلبي على تكافئ الحظوظ
عند تراجع الشمس كان في الشوارع من الشماريخ المضيئة
أكثر ممّا على الأرض من النجوم وفوق السطوح .
اليوم، حين أفكّر في ذلك، أجد النجوم قد خدعتنا
و أنّ الريح كانت تجرّ أحلامنا المبعثرة
كانت خطى الحالمين، تنقر أرصفة العاشقين،
تتشابك تاركة علامة تحت الأبواب.
لقد عمرنا اللانهاية معاً بأذرعنا
كان بياضك يضرم الشفق الأبديّ
لم أكن أرى في بؤبؤ عينيك
عيون الأرصفة الذهبيّة التي لا تنطفئ
بمجرّد أن كانت عربات الخضار تمرّ، كانت أحصنة الجرّ تمضي
ببطء وبين القرنبيط رجال زرق نائمون،
فكانت خيل «مارلي» تحرن وسط الضباب
ألم يكن باعة الحليب يقضّون هناك، فجراً أبيض قصديريّا
في مقدّمة كنيسة القديس « أوطاش» بمفاتيح دكاكينها
ألم يعلّق الجزّارون الماشية الجيّدة
وعلى بطونها الشارة التي تقطر دما
ألم يقرّر نهائيّا أن يلزم الصمت
عندما تلاشت حلاوة الحبّ ذات مساء
كان الفونوغراف في ناحية من نهجنا
يغنّي لحناً صغيراً مقابل عشرة فلوس فرنسيّة
ترى هل سيكتب لنا أن نرى الجنّة القصيّة من جديد
الأسواق الكبرى .. الأوبرا .. ساحة الكونكورد .. ومتحف اللوفر
أما زلت تذكر تلك الليالي عندما كان الليل يكتشفنا
الليل الذي يصدر من القلب وليس له صباح

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة