التسوية .. وقبلها المصالحة

دائماً ما يسأل المحللون عن الفرق بين «مشروع» التسوية السياسية الذي يجري تداوله منذ اشهر وبين مشاريع المصالحة التي بلغت بالعشرات طوال عقدين ونصف العقد من السنين، وفي كل يوم يظهر ان لهذا التساؤل ما يبرره اذا اخذنا بالاعتبار التشابه بين المشروعين في الجوانب السياسية «الفكرية» والجوانب الاجرائية.
فان التسوية والمصالحة معاً اعتمدتا وتعتمدان على مسارين لطيّ صفحة الاحتقانات والمواجهات الاجتماعية والسياسية بين العراقيين(جماعات وأفراداً) وهما، اولا، عقد مؤتمر مسبوق بلقاءات موسعة واجتماعات ومشاورات بين ممثلي الفئات السياسية والدينية والعشائرية لتقريب وجهات النظر المتنافرة حيال شكل وهوية وإداء النظام السياسي، وثانياً، اجراء وتكييف وتعديل التشريعات الدستورية والقوانين المعلنة لاستيعاب الشكاوى والمخاوف والتظلمات المختلفة المسجَلة في حافظة السنوات العشر الماضيات.
الاشكالية الاولى تتمثل في التقليل من شأن المسار الثالث، الاهم، والموصول بمعالجة إنعدام ثقة الملايين العراقية بسلامة النيات المعلنة، إذْ يتطلب تعبئة مجتمعية استباقية لخيار المصالحة والتسوية، بوصفها المَعْبَر الى دولة المواطنة والسلم الاهلي، وذلك عبر شبكات الاعلام والمنتديات ودور العلم والتعليم والمساجد والوحدات العسكرية والهيئات والجمعيات الثقافية، وقبل هذا في داخل الاحزاب والمكونات والطوائف، في حملة منهجية منظمة تنأى عن الشعارات والخُطب والاهابات والاعتبارات السياسية والفئوية والشخصية، وتفتح البصائر والعقول على الاعتراضات والتحفظات والخصومات، وتشجع على صياغة الافكار والتعاملات التي تمهد الى السلم الاهلي المنشود، وبما يساعد على تبديد الصورة السابقة، الاستهلاكية، لمؤتمرات المصالحة الباذخة، والعقيمة.
اما الاشكالية الثانية، فهي الاكثر تعقيداً، وتتصل بطبيعة وشكل وأحوال التحول السياسي الاجتماعي الذي يخضع لتجاذبات واعمال عنف واضطراب الرؤى ولم يستقر حتى الآن على مسار واضح، وبخاصة ما تعلق منه بالجانب الامني حيث تخوض الدولة حرباً شاملة ضد العصيان الارهابي المسلح الذي يبسط سلطته الاجرامية على بعض اراضي البلاد، والسؤال التفصيلي هنا: كيف يمكن تحقيق المصالحة قبل ان تُهزم عصابات داعش وتهدأ اصوات المدافع والتفجيرات واعمال القتل اليومية؟ اخذاً بالاعتبار ان السلم الاهلي لم يتحقق مثلا في جنوب افريقيا قبل ان يتم قبر نظام الابارثيد، ولم تتحقق في تشيلي قبل اسقاط فاشية بينوشيت، اوفي الارجنتين قبل الانتقال الى الاستقرار المجتمعي بعد سقوط دكتاتورية خورخي فيديلا ، وحتى المصالحة اللبنانية وجدت ارضية لها بعد ان سكتت مدافع الحرب الاهلية غداة اتفاق الطائف العام 1989.
بعد هذا، ثمة تشوهات سياسية رافقت وترافق الدعوة الى التسوية وقبلها المصالحة من بينها القول بأن الخصومة المجتمعية في العراق (الطائفية والفئوية) ولدت بعد العام 2003 لكن الحقيقة ان عهد التغيير ورث عن نظام صدام حسين ملفاً زاخراً بسياسات التنكيل والتمييز واثارة الكراهية والمخاوف بين السكان، وزادته، وكرسته، الطريقة التي اعتمدها الاحتلال في لبننة السلطة (المحاصصة) فيما اسهم الخطاب (والسلوك) الطائفي للاحزاب المتنفذة، في ترويج مفاهيم مشوشة عن المصالحة او التسوية الوطنية، فهي مرة مع البعثيين، واخرى بين العشائر العراقية، وثالثة بين الشيعة والسنة، وكلها انتهت الى ولائم وشبهات الرشوة والدعاية الانتخابية، على الرغم من العبارات والشعارات والتعهدات التي خرجت بها.. والصور التذكارية التي تداولتها الكاميرات.
******
شارلي شابلن:
«لن تجد قوس قزح ما دمت تنظر إلى الأسفل».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة