الأخبار العاجلة

الفاسدون في افلام عاطف الطيب

في ذكرى رحيله

بقلم : سيد محمود سلام

«الي ما يعرفش يسيب للي يعرف «
عاطف الطيب، هو أحد أهم الاستثناءات في السينما المصرية، فببساطة هو لم يكن يهتم بالجانب التجاري، أو هدفه الأول من صناعة فيلم سينمائي، والدليل إن فيلمه الأول « الغيرة القاتلة» رغم بريق الاسم، مستوحى من رواية «عطيل» لشكسبير، وكان للطيب رغبة في إبراز موهبته من خلال الثلاثي نور الشريف ويحي الفخراني ونورا بشكل سينمائي مختلف عن ما قدمت به الرواية سواء في الأعمال المسرحية أو السينمائية الأخرى .
وقد حكى لي مدير التصوير سعيد شيمي إن الطيب عرض عليه سيناريو الفيلم وكانا معا بالإسكندرية، فلم يسترح شيمي للسيناريو، وبدا واضحا للطيب إنه غير متفاءل بالمكتوب، فبدا في التفكير مرة أخرى حتى وصلا الى صيغة قد تكون هي التي خرج بها الفيلم.
لم تكن على البداية كما كان يتوقع الطيب، إذ أن «الغيرة القاتلة» لم تحقق له ما كان يأمل، فهو عاش معاناة طويلة منذ تخرجه، وست سنوات في الخدمة العسكرية حتى انتصار أكتوبر 1973 وعمله مساعدا لعدد كبير من المخرجين منهم يوسف شاهين، وأخرج سلسلة من الأفلام القصيرة، كل هذه المراحل كانت كفيلة بأن تحول هذا الإنسان العاشق الى فن السينما الى عقل يفكر كيف يقدم رسالته للمشاهد.
هذه الرسالة التي حمل الطيب على عاتقه مهمة توصيلها هي أن الإنسان «حر» وإنه ولد ليحلق، لا لأن يستعبد، هذا هو ملخص كل أفلامه، لا تستعبده سلطة أو مال أو جاه أو حتى امرأة …
من هنا كانت أفلامه تنطق بروح الإنسان العربي وهمومه، بروح البيت العربي، بقضيته، بهزائمه وانكساراته، وهو لم يقدم لنا صورا براقة لعالمنا العربي، حتى عندما راح يصور لنا قضيتنا الشائكة وهى القضية الفلسطينية، ذهب حيث يتحرك « حنظلة» الشخصية الكاريكاتورية التي قدمها لنا رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجى العلى وقدمت في فليمه «ناجى العلى»، تلك الشخصية للصبى الذى يدير ظهره للعالم وهو مكتوف الأيدي ..
لم تدم حالة التوتر والقلق التي انتابته لما واجهه في فيلمه الأول « الغيرة القاتلة» طويلا، إذ كانت تجربة « سواق الأتوبيس» المصنف ضمن أهم مائة فيلم مصري، هي المحطة التي رست عندها أحلامه، ومنها استراح على ضفة نهر طويل كنهر النيل الذي عاش طفولته في محافظة سوهاج وهو يتأمله، حتى انتقل مع الأسرة الى بولاق وهو حي شعبي مصري شهير.
في « سواق الأتوبيس» كتب بشير الديك عن مصر دون أن تكون الرمزية متغلغلة في الفكرة، لكنها تبدأ وتنتهى بها، الفكرة هي « الفاسدون» تلك العبارة التي قد تسمعها في معظم أفلام الطيب ..وإن لم تسمعها تراها ، المهم أنه يصر في معظم أفلامه أن يكون الفاسدون في الجانب الآخر من الحياة الطبيعية للمجتمعات العربية، هم الصورة السوداء التي ينتهى عندها المشهد كما حدث في سواق الأتوبيس على لسان البطل وهو ينتقم منهم في شخصية اللص الذى يسرق المحفظة ..فينهال عليه نور الشريف بالضرب مرددا عبارة « ياولاد الكلب» ..
رغم قلة اعمال عاطف الطيب، إذ لا يتجاوز عدد ما قدمه على 21 فيلم، إلا إنها جميعا لها أهميتها، لكن اغلبها أثار جدلا، وقد يكون من المخرجين القلائل الذين رشحت عشرة أعمال لهم ضمن اهم مائة فيلم مثلا ..
وهو المخرج الذي وضع النقاد اسمه كعلامة بارزة منذ أول أو ثاني افلامه، وتعاون مع كبار النجوم من أول الأعمال كنور الشريف ويحي الفخراني وعماد حمدي، ثم في التخشيبة يبدا التعاون مع نجم أعماله أحمد زكى، وبداية لتعاون يستمر ويصبح مهما مع المؤلف الكبير وحيد حامد الذى قدم معه خمسة افلام «التخشيبة، الزمار، والبريء. والدنيا على جناح يمامة ثم كشف المستور» و يعد «البريء» هو فيلم العمر كما يقولون عنه ليس فقط للطيب بل للجميع، وهو أكثر عمل سينمائي أثير حوله لغط كبير، وتحذف نهايته ويعاد تركيب نهاية مبتورة بناء على طلب الرقابة، وجهات أمنية رات فيها خطرا على الأمن .
في حين اعتبرته الأوساط السينمائية والنقدية وثيقة سينمائية ضد العنف وبرمجة الإنسان لخدمة أنظمة أو سياسات معينة .
الفيلم ركز على ما سمى بانتفاضة 17 و18 يناير 1977 وقال عنه وحيد حامد في الإهداء الذي تصدر نص السيناريو المكتوب إهداء إلى عشاق الحرية والعدالة في كل زمان ومكان أهدي هذا الجهد المتواضع.
وحسب لوزير الثقافة المصري فاروق حسني في عام 2005، موافقته على عرض الفيلم كاملا بعد 19 عاماً من إنتاجه، ودون حذف في انتصار نادر لحرية الرأي والتعبير،
وفى مشواره السينمائي، نجح الطيب في أن تكون شخصيته هي التي ترسم ملامح اعماله، باستثناء عدد قليل من الأفلام قدمها لظروف قد تكون خارجة عن رغبته هو.
قدم الطيب سينما تنوعت موضوعاتها، لكنها تحمل رسالة واحدة كفيلم «الحب فوق هضبة الهرم» نفس المعاناة، والفوارق الطبقية، والإنسان المطحون.
التنوع أفاد سينما الطيب، وتركيزه على الإنسان صنع له قاعدة جماهيرية من المؤكد إنها تزداد حتى بعد رحيله يوما بعد يوم .
من افلامه « ابناء وقتلة» « البدرون»» ضربة معلم» «قلب الليل» و»كتيبة الإعدام « الذى عاد وغرد من خلاله على تجار الحروب والفساد الذى عاشه البعض بعد الحرب .
لكنه عندما قدم فيلم « الهروب» عاد مرة أخرى ليصدم المشاهد بفيلم من طين مصر، فيلم به رمزية قلما يتبناها مخرج، مع بطله المحبب أحمد زكى ، وفيه ركز على ما حدث للمجتمع من تفسخ بعد 73 والانفتاح الاقتصادي وعبارة « «اللي ما يعرفش يسيب اللي يعرف «التي قالها الفنان الراحل محمد وفيق للفنان عبد العزيز مخيون .
استمر عزف الطيب على جرح المجتمع، فقدم أفلاما مثل «دماء على الأسفلت « و»كشف المستور» مع نبيلة عبيد و»ليلة ساخنة» وبين كل هذه الأفلام يقدم رائعته « ضد الحكومة» والتي قال فيه احمد زكى خطبته الشهيرة عن الفساد « كلنا فاسدون» في توقيت سياسي صعب جدا ، ومع ذلك عرض الفيلم رغم إنه قصد بمرافعته بالمحكمة أن يشير الى الفساد عاما وليس فقط محامو التعويضات، ممن كانوا يحصلون على توقيعات وتوكيلات من عائلات ضحايا قطارات الموت .
لم يكن آخر افلامه موفقا بالقدر الكافي وهو «جبر الخواطر» تعب في اثناء تنفيذه، وعانى فيه كثيرا بطولة شريهان واشرف عبد الباقي صور مشاهده فى ستوديو مصر، وكان كل يوم يتوقف التصوير مع ضعف عضلة القلب وشعوره بالإعياء، لتنتهي معه رحلة طويلة لمخرج أعطى صورة مشرفة للفيلم المصري .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة