اقبض… من دول الجوار

فجأة تتذكر الاقدار العابرة للمحيطات أحد أقدم الاوطان ليكون ملاذاً للوجبة الاولى من شحنة (الصناديق والعبوات البنفسجية) والمدونات المتعاطفة وحقوق عيال الله المهدورة في هذه المضارب منذ أكثر من الف عام وعام. وهكذا يجد سكانه من مختلف الرطانات والازياء انفسهم وهم ينضمون لنادي الامم والمجتمعات العابرة لسن التكليف الحضاري.

هذه الصدفة التاريخية التي اختارت العراق لمثل هذه المهمة العسيرة، حفزت المحيط الاقليمي ودول الجوار لأن تزج كل امكاناتها ومواهبها واحتياطاتها المجربة في مجال المكر والدهاء، كي تجهض هذه التجربة المارقة عن تقاليد وارث الاسلاف في الطاعة والخنوع والولاء لأهل الحل والعقد من ذوي الشوكة والعبوة وكاتم الصوت. وبالرغم من جلاء الموقف الاقليمي من نظامنا السياسي الجديد، بوصفه يمثل تهديداً جدياً لثوابت النظام السياسي المهيمن في هذه المنطقة، الا ان غير القليل من فرسان حقبة الفتح الديمقراطي المبين، لم يفرطوا بكل فرصة ممكنة أو حادثة عابرة كي يجددوا لدول الجوار ولاءهم وارتباطهم المصيري بما يقررونه من قياسات وتطلعات للمستوطنة القديمة.

ولا يحتاج المرء لجهد كبير كي يسبر غور المشهد السياسي الراهن ونوع القوى والشخصيات المهيمنة عليه، حيث تتصدر الكيانات والكتل والزعامات المحظية ببركة ودعم الاجهزة السرية في دول الجوار المفاصل الحيوية فيه. ومع مثل هذه المناخات الشاذة حيث يتم مصادرة القرار والارادة الوطنية، وتتحول فيه القوى النافذة الى ذيول غليظة تتقافز هنا وهناك لكسب ود ورضا الاستثمارات الاقليمية اللئيمة في حقول محنتنا العضال، يكون من العسير علينا توقع بروز مشاريع وحلول وقوى تتصدى لسيناريو الدمار الشامل والذي لن تكون غزوة داعش في الموصل والمدن المحاذية لها محطته الأخيرة.

ان حالة التشرذم والتبعية التي انحدرنا اليها كشعوب وقبائل وملل في هذا الوطن القديم، لا يمكن فصلها عما جرته علينا العقود الاخيرة من الحكم الشمولي الذي استباح كل ما يمت بصلة للمشروع الوطني والانساني العراقي، وسحق منظومة الدفاعات الطبيعية للمجتمع متجاوزاً كل الحدود في انتهاك كرامة الناس وحقوقهم البدائية في العيش كباقي الامم والشعوب. ومن فضلات هذه التجربة المريرة وفلولها تمكنت دول الجوار من اعادة انتاج هموم واولويات كفيلة بتجفيف آخر ما تبقى لنا من آمال ومشاريع في اللحاق بركب الامم التي أكرمتها الاقدار بجيران ودول لا تتحسس من شحنات الصناديق والعبوات البنفسجية وسلع البوكو المارقة.

ما حل بنا من هزائم حضارية وسياسية وعسكرية مؤخراً هي أول الغيث الذي ينتظرنا من فرسان حقبة التسكع والضياع الضاجين اليوم على المنصات والمنابر المترنحة على ايقاعات دول الجوار..

 

جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة