الأخبار العاجلة

رجال ووقائع في الميزان

يرسم الراحل جرجيس فتح الله أفقاً فكرياً وسياسياً نادر المثال فهو بهذا العمل يتطرق إلى زوايا وأحداث وشخصيات كان لها أدوارها المميزة سلباً وإيجاباً في التاريخ العراقي. ومما يلفت النظر في هذه النصوص التي وردت في كتاب رجال ووقائع في الميزان أنها أضاءت بنحو دقيق لحظات وأحداثاً ومسالك فكرية وشخصية وثقافية وتاريخية لم يتطرق إليها احد قط.
“الصباح الجديد” تقدم قسطاً وافراً من هذه الإضاءات كما وردت على لسانه لجمهور لم يطلع عليها في السابق بمعزل عن عمق ثقافة هذا الجمهور او صلته بالسياسة العامة. إنها ليست أفكاراً فحسب وإنما هي شهادات تنطوي على نبوءات مثيرة للدهشة عن اثر المناهج والأيديولوجيات والشهادات التاريخية السابقة للأشخاص الذي يجري الحديث عنهم ويسهم الراحل جرجيس فتح الله في تصحيح الكثير من المواقف والتصورات والوثائق السياسية المرافقة لمواضيع الحديث. كما ان أفكار السيد فتح الله تستكمل في أحيان كثيرة ما كان نصاً لم يكتمل في الماضي. إننا من دواعي الاحترام والتبجيل لهذه الشخصية النادرة نسطر عدداً من هذه الأفكار في الكتاب المذكور” رجال ووقائع في الميزان”.
الحلقة 14
حوارات مع جرجيس فتح الله*

س:سأقاطعك هنا لو سمحت , رأيتك من خلال اجاباتك انك تستخدم لفظة( ماركسي ) تارة و(شيوعي ) تارة اخرى , اليس هما مترادفين لمسمى واحد؟
كلا . الماركسي بمنطلق عام هو المؤمن بأن النظرية الجدلية او المادية الديالكتية قد يؤدي تطبيقها او الافادة منها الى حل مشكلات المجتمع البشري او معظمها . كالقضاء على التمايز الطبقي في خاتمة المطاف وهذا بأبسط ما يمكن قوله . مجرد عقيدة نابعة عن فلسفة خاصة . ولا يمكن ان يطلق صفة الشيوعي الا على عضو في حزب او تنظيم يؤمن بهذه الفلسفة وسيلة وغاية ويعمل على تطبيقها تطبيقا عمليا . (فماركس ) صاحب هذه النظرية هو واحد من جمهرة الفلاسفة الذين نقرأ عنهم وعن فلسفاتهم في الكتب والموسوعات العلمية . مثل ديوجينس وارسطو وافلاطون والفارابي وديكارت وهيغل وعشرات اخرين . كل منهم زود البشرية بنظريات واراء تهدف بمحصلها السعي الى ايجاد الوسائل الناجعة للقضاء على البؤس البشري والوصول بالانسان الى الحياة المثالية السعيدة وكلهم كان يحدوه شعور عميق بوجود خلل في بنية المجتمع ومساوئ في علاقات البشر . وهم في كل هذا لا يدعون النبوة او الصلة بالوحي .
كان (ماركس )واحدا منهم الا ان فلسفته تفردت عن سائرهم بأن وجدت سلبيتها الى التجربة والتطبيق العمليين وهو ما عز على سائر الفلسفات التي سبقتها .
وظهر لنا بالواقع انه ما كل من حمل بطاقة الحزب الشيوعي وشارك في ادوار التطبيق كان يفترض فيه ان يحيط علما بجوانب تلك الفلسفة . وان ذلك ليس بشرط لقبوله في الأخوية الشيوعية وقد وجدت كثيرا من الشيوعيين البارزين وبينهم من وصل درجة القيادة يعجز ان يقوم بدور المعلم المتفقه فيها , في معظم الاحيان كان الايمان و مجرد الايمان بها كوسيلة لصلاح المجتمع كافيا لتزكية العضو.
والذي دفعني الى دراسة النظرية بعمق وجدية كان على ما اذكر مناسبة صغيرة فيها بعض طرافة . ففي العام 1943 كان (داود الصائغ) المحامي وهو كما ذكرت واحدا من محرري مجلة “المجلة” . يترجم لها بحثا مطولا نشر تباعا بحلقات عنوانه “فائض القيمة” وهذا الموضوع هو واحد من الركائز الثلاث التي يستقر فوقه القدر في المطبخ الماركسي . سمعته مره يشكو صعوبة فهم ما يترجمه , وما يعانيه جراء ذلك في الترجمة بصراحة راهب الدير المعترف . ثم قال انه صار يفهم بالتدريج ما يترجمه بعد الحلقة الثالثة , وكان عجبي شديدا .
فهذا المقر بالعجز الماركسي كان عضوا في واحدة من لجان الحزب الشيوعي المركزية الاولى . كما ان عبد الكريم قاسم كان قد خصه بأجازة تأسيس الحزب الشيوعي العراقي عندما زين لعقل الدكتاتور بأن الحزب الشيوعي العراقي بحاجة الى صفعة على القفا .
والماركسية هي الفلسفة الوحيدة التي كان يقتضي لتطبيقها استخدام( القوة ) او يفترض ان تأتي بصورة عنيفة . وهكذا كان . لكن ما ان نجح تلامذتها في فرضها على المجتمع نظاما للحكم حتى تبينوا انهم لا يستطيعون الاستغناء عن القوة في ما دعوه بالنضال والعمل على تحقيق الوطن الحر والسعادة لابنائه . لم تكن قوة اعتيادية بل قوة باطشة مجردة عن الأحاسيس الانسانية فيما ادعوه بعملية القضاء على استغلال الانسان لاخيه الانسان . وانتهوا بعملهم هذا الى تدمير ركيزة رئيسية من الركائز التي تقوم عليها الماركسية تأكيدها “بأن الانسان اثمن رأسمال “وقد رأينا كيف بدأ هذا الانسان لبناة النظام الماركسي والاشتراكي ارخص سلعة , بل ارخص بكثير من اسعار اولئك الذين سخرهم فراعنة مصر قبل اربعة الاف عام لبناء قبورهم الهرمية . وشهدت بذلك معسكرات العمل والسخرة في “كوليما” وفي “ارخبل الكولاك” بسيبيريا.
مع ذلك , وبكل ما قرأت عن الكوارث التي صبها تلاميذ الماركسية القياديون على رؤوس من قصدوا اسعادهم بقيت –والشيء بالشيء يذكر – حتى الساعة يلازمني اعجاب واكبار للشيوعي العراقي , اعجاب بذلك الاستعداد اللامتناهي للتضحية والبذل والاستماتة , هؤلاء الذين ما كانوا يعرفون عن الماركسية . كثيرا ما رأيناهم يرتقون درجات المشنقة بثبات وبأبتسامة شامتة بجلاديهم . وسمعت بعضهم يهتفون بحياة حزبهم وبحتمية انتصاره على قوى الظلام والطغيان بصوت ثابت وحبل المشنقة يستل اخر انفاسهم . فأعود اسأل نفسي : بهذه الروح الوثابة غير الهيابة وبهذا الاستعداد للتضحية اما كان وجه العراق سيبدو غير الوجه الذي نراه اليوم لو كانت سبيل هؤلاء الوطنيين سبيل الديمقراطية الصحيحة التي يسلكها اليوم كل احزاب اليسار وبينها الاحزاب الشيوعية نفسها ؟.
ولهذا وجدتني –وقد علمت وقتذاك بتغلب النزعة الماركسية على اعضاء قيادة البارتي –لا اخشى منها على المسيرة الديمقراطية والتحرر القومي الذي رسمها المنهاج وبشكل واضح لا يقبل تأويلا . وكان لتفسير السكرتير العام له , وجاهة في حشر مادة فيه تشير الى استهداء الحزب بالنظرية الماركسية (العلمية في المنهاج) , بأنها انما وضعت لتحويل الشباب القومي الكوردي عن الانضواء الى الحزب الشيوعي . ففي ذلك الزمان بدت الماركسية لدى المثقفين المهتمين بشؤون البلاد وكأنها (موضة) العصر والدليل على الثقافة القمينة بالادعاء والفخر . وعلى هذا الاساس بنيت تعاوني مع اجنحة جبهة الاتحاد الوطني في صحيفة الرائد .
س: لكن الجريدة كانت غير سياسية كما قلت , فكيف نقلتم فيها رسالة الجبهة ؟
ورثت (الرائد) المؤازرين والكتاب الذين جمعهم اليها نهج صحيفتي (الروافد والجداول ) . ثم ان هؤلاء الاربعة الذين كانوا يمثلون احزابهم في “الرائد” كانوا يدركون تمام الادراك اهمية المحافظة عليها من غوائل السلطة ورقابتها المحكمة . مقدرين مبلغ ما يلتزم من الحذر في (تهريب ) ما يمكن تهريبه من اراء سياسية مقتعة او مكتسبة برداء ادبي وكثيرا وكثيرا ما تسلل بهذه الطريقة مقالات وتعليقات سياسة خطيرة من “الملاح”و”غربي” او قصائد او تعليقات سياسية من “شاذل طاقة” وزميله “يوسف الصائغ” فيتحدث بها القراء وتتداولها المجالس الوطنية الخاصة . ثم كانت هناك لعبة اتقناها وبلغنا بها الغاية من النجاح : كنا ننتقد إجراءات للحكومة من غير اثارة غضبه بأستغلال ذكي للتناقض القائم أبدا بين افراد الطبقة الحاكمة نتناول بالنقد والتذكير موقفا معينا لوزارة سابقة أعضاءها او رئيسها ليسوا على صلة طيبة بالحكومة الحالية لنخرج عرضا الى موقف تعسفي للحكومة الحالية مخففا وعلى طريق المقارنة والمضاهاة بحيث لا تستطيع السلطة ان تحمله محمل الهجوم المباشر .
ومن الناحية الكوردية كنا نكتب في التاريخ عموما لتجد القضية القومية سبيلا خلاله وكذلك فسح المجال لترجمة قصائد وطنية كوردية عن الجزيري , وخاني , وكوران, وبيرة ميرد وغيرهم. وكلها امور لا عهد للمجتمع الموصلي بها في صحافته . كانت صحيفة لا عهد للموصل بمثلها .
ويثبت تاريخ الصحافة العراقية “للرائد” انها كانت الجريدة العراقية الوحيدة التي صدرت يوم 14 تموز 1958, من دون سائر صحف القطر, في حين كان التردد والتريث لانجلاء الموقف قد الجأ كل الصحف اليومية وغيرها في بغداد والمدن الاخرى الى الاحتجاب يوما واحدا في الاقل . وظهرت في هذا العدد وبعده بوجهها الجديد … لن تعد ادبية . بل جريدة سياسية .
س: كان هناك جريدة الحقيقة , فيما بعد وهي خلف للرائد . ماذا تم من امتياز الرائد ؟
حكاية الغاء امتياز جريدة الرائد هي حكاية الفوضى الفكرية والتناحر الحزبي الذي ساد حكم عبد الكريم قاسم . كان (غربي الحاج احمد) بناء على اقتراح محمد صديق شنشل – احد قادة حزب الاستقلال – قد اسند اليه منصب مدير الدعاية العام .في ذات اليوم اي الرابع عشر من تموز ترك الموصل صحبة كل من (محمد حديد وصديق شنشل وكاظم الطبقجلي) الذي عين قائدا للفرقة الثانية في كركوك نقلا من امرية اللواء الخامس في الموصل , ونزل القائد الجديد في كركوك حين استأنف الثلاثة سفرهم الى بغداد . بالمناسبة انبأني (عبد الغني الملاح) انه وسائر ممثلي الجبهة بذلوا جهدا كبيرا لاقناع الطبقجلي بالالتحاق بمنصبه وانه بدا حائرا مترددا بعد عمله بهوية القائمين الرئيسيين الاثنين بالحركة وقد عزاها (عبد الغني ) الى تشكك الطبقجلي بنجاح الانقلاب .
اما انا وللخبرة التي اكتسبها في خدمتي بالجيش فقد قررت وبمعرفة لخلق الطبقجلي ووزنه في المؤسسة العسكرية العراقية . انه لم يكن يتوقع ان يقوم هذان بتغيير النظام والاستئثار بالحكم . وثانيهما عبد السلام كان واحدا من الضباط الذين عملوا تحت امرته ردحا من الزمن .

*اجرى الحوارات السيدان مؤيد طيب وسعيد يحيى والكتاب من منشورات دار أراس للطباعة والنشر، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2012

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة