الحكائية والخطاب في(ما تجلى في العتمة)

علوان السلمان

…القص القصير..مغامرة فكرية لاكتشاف اسرار الواقع الحياتي بكل موجوداته..كونه تشكيل جمالي يفضي بالذات المبدعة للغوص في اللامرئي باقتناص اللحظة ونقلها الى المخيلة بوساطة لغة متشظية واختزال مضموني مع اهتمام بعنصر المفاجأة داخل البناء النصي من اجل تحقيق المتعة الروحية والمنفعة الفكرية..
وباستحضار المجموعة القصصية(ما تجلى في العتمة) بشقيها القص القصير والقصير جدا التي نسجت عوالمها السردية انامل القاص محمد الكريم واسهمت دار تموز في نشرها وانتشارها/2017..كونها تتخطى المشاعر الى وصف الانفعالات والكشف عن(المسكوت عنه) بتوظيفها سيميولوجيا لتغطية الجوانب المحيطة بالحدث بوساطة التكثيف والايجاز للتعابير والتعامل مع الاشارة الجمالية بلاغيا(استعارة /مجاز..) ورمزيا..
(حيث المشهد الذي يولد غفلة بدون سابق انذار..شوارع بغداد غارقة..نصب الحرية مبلل بمطر الحرب..ثمة رجال ملثمون استغلوا المشهد..صوبوا اسلحتهم نحو النصب..جواد سليم يركض حافيا يجر وراءه كفنه الذي يغطي نصف جسده..راقب ما يدور في ذلك المكان الصامت..اختبأ وراء جدار بعيد عن جداريته..عيناه تسيلان دمعا..يداه تلوحان..قدماه هزيلتان..جسده متعب ويرتعش ظنا انهم سيطيحون بجداريته..نوبات بكاء لا يصدر عنه صوت..الحمائم تغادر النصب…) ص16
القاص يقدم انموذجه الانساني باعتماد الجمل المكثفة التي تصور عالما تتسع دلالاته وتكتظ بالمشاعر المتناقضة التي يحدثها الغياب..فتطرح تجربة حوارية تتارجح ما بين ضمير الغائب(هو) وضمير المخاطب(انت) وما بينهما يسير النص عبر منولوجية تكشف عن دخيلة السارد ودوافعه النفسية والتكنيكية ..فهو يوظف تقنية التنقيط الذي يشكل وسيلة تعبيرية يرمز للمحذوف المسكوت عنه من التعابير..اضافة الى اضفاء جو نغمي يحرك الخزانة الفكرية للمتلقي ويحثها على استنطاق النص والتأمل من اجل استيعاب المحتوى والوقوف على نوع الدفق الفكري والوجداني للمنتج(القاص) ومن ثم المشاركة في املاء الفراغات التنقيطية كي يكــون مسهما فاعــلا في بناء النـص..كــون القاص يعي تقــنية النص الذي يشتغل عليه ودلالاته وموحياته النفسية والفنية…لذا فهو يعتمد الاختزال في الوصف مع سيطرة على المشاعر فيقدم مشهدية تاملية خارج نطاق الذات بلغة شاعرية متجاوزة حدود الزمكانية والوصفية..متدفقة بعذوبة مموسقة بحركة الحياة الاليفة لتحقيق التماهي..
(اخذتني قدماي للبحث عن قبر صديقي مهند عادل الذي وافته المنية بشكل مفاجيء..بحثت مع دليل الدفن الى القبر..ضحك عندما قلت له الفنان مهند..قال جملته التي لما تزل تغرق في مخيلتي وتطفو(خل يفيدكم الفن..هناك تشبعون كتل)..بعد بحث مضني وقفت على قبره..شاهدت القبر قد سرق وخط على حجرة(هذا قبر مهند عادل) ..كانت تلك الكتابة بخط يد وبصبغ احمر..رجعت مكسور القلب..دخلت شقتي ابحث عن نهايتي.. تزداد القهقه في راسي..
وقلبي وجل
وكامرتي..
و
ل
و
ح
ا
ت
ي
الى الضيا…ع ص29 ـ ص30
لقد تشكلت في قصص القاص مهارات الاخيلة في تركيب بنائي ولغة شاعرة اعتمدت الاقتصاد في الالفاظ واعتماد ميكانيكية حركية غائرة في عمق الحدث الذي يجسد عنصر الفكرة الدقيقة المجردة وهي تحتضن الحس المرهف الشفيف مع تدفق شعور الذات المتداخل والحدث السابح في زمكانية مع حوار داخلي (منولوجي)..فيقدم لحظة درامية مكتنزة بالجمال بالفاظ قادرة على التعبير والايحاء باختيار الجمل القصيرة المكثفة واللحظة المتسارعة المشحونة بالالم ..
فالقاص يقدم انموذجه الانساني باعتماد الجمل المكثفة التي تصور عالما تتسع دلالاته وتكتظ بالمشاعر المتناقضة التي يحدثها الغياب..فــهو يلجأ الى التقــطيع الكلمي (ولوحاتي الى الضيا…..ع) و نثر حروف اللفظة كي يخلق مناخا للفعل فيحقق ايحائية تتساوق مع المعنى العام للمفردة ..اذ التعبير عن دواخل الذات نفسيا ومن ثم خلق قيمة فنية للمفردة من خلال هندسية موزعة للحروف..
(كلما نلتقي انا وهند..حبيبتي التي عشقتها بجنون تختلف عن تجاربي الاخرى صادقة في حديثها معي اختبرتها اكثر من مرة..اسألها عن موضوع بنفس السؤال فتجيبني دون اي اضافة..وقبل ان ننهي لقاءنا اترك قبلة على شفتيها سرعان ما تسحب دفترا صغيرا من حقيبتها وتدون ملاحظات لا اعرف ما سرها..ذات مساء سحبت الدفتر من يدها بسرعة..امتنعت لكنني خطفته وقرأت ما لا يخطر الا في رأس(ماركيز)..تدون تاريخ القبلة ورقمها..سالتها:من أين أتيت بهذه الفكرة الغريبة؟..ردت والضحكة تملأ فمها:من كتاب سرقته منك..(ذاكرة غانياتي الحزينات)) ص85..
فالنص يعتمد تكنيكا سرديا يستند على مقومات سردية(حدث /شخصية/فضاء زمكاني/اسلوب سردي بلغة ايحائية مقتصدة..) كلها توظف بشكل موجز..مكثف بالايحاء والانزياح والترميز.. يجرنا صوب القص القصير جدا (الومضة القصصية) (اللحظة الغير قابلة للتأجيل)..باعتماد الاختزال والتكثيف الجملي والايجاز الحدثي للقبض على وحدته..فضلا عن اتساع الرؤية البصرية وتحولها الى رؤية معرفية منفتحة على الاحتمالات التأويلية..اضافة الى اعتماده الجملة الفعلية التي تعد من اهم التقنيات اللسانية والدلالية التي ينبني عليها النص لانها تسهم في تسريعه وابعاده عن الوصفية الاستطرادية..
(…ولان خشبة المسرح غير كافية لاستيعاب الممثلين ارتأى المخرج ان يجلس الجمهور على الخشبة ويشغل الممثلون الكراسي..يعلو صوت الموسيقى فيصطدم بصرخة من الجمهور..تتعالى الموسيقى..تسكت كل الاصوات المدوية..لا احد يسمع الآخر..الاضاءة تخفت وتقوى حتى يغمضون عيونهم غير قادرين على اكمال المشهد الاول يشرع الممثلون بالانصراف من القاعة واحدا تلو الآخر حتى يبقى الجمهور وحده..ترفع الستارة من جديد تصفق الكراسي في نهاية العرض..) ص91..
القاص يبني مادته الحكائية من خلال المزاوجة الفنية بين استلهام الذاكرة والواقع من جهة واستشراف التخييل من جهة اخرى ليقدم نصا ينهض على تقنيات فنية واسلوبية منها خصوصية اللغة الشاعرة بالفاظها البعيدة عن القاموسية والتقعر مع اختزال التعابير والانزياح والترميز ووحدة الفكرة وانسنة الجمادات..فضلا عن التلميح والاقتضاب والحذف والاضمار مع ضربة اسلوبية ادهاشية مفاجئة..
وبذلك اتخذت نصوص الكريم السردية لنفسها سمات تعبيرية مختزلة لجملها مع عمق وبراعة تصويرية..ووظيفية تضع متلقيها امام مشهدية متميزة بابعادها المضمونية والجمالية التي تستفز متلقيها وتجره للتأمل واستنطاق النص..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة