الظواهر الأسلوبية في لغة النوّاب الشعرية

علوان السلمان

الشعر..الخواء ذي الرنين.. على حد تعبير هيدجر..مغامرة تتجاوز جغرافية المكان والمألوف باختصارها المسافات..كونها حالة من التسامي القائم على التخييل بوساطة منتج يوظف وسائله التعبيرية المكتظة بجمالياته التي تتجسد بشكل رامز ودلالة اجتماعية تقترن بالواقع..وتسبح والامتدادات التاريخية بلغة رافضة للتأطير بقوالب جاهزة..خالقة لصورها المستفزة للذاكرة المستهلكة (المتلقي) بجمالها وحلميتها وتشكلها الجملي المتمرد..والكاشفة عن كنه الاشياء بالشعور والحدس ببناء ذاتي يعبر عن كونه الشعري المكتنز بالصور الشعرية المعبرة عن اصالة التجربة وتشكل جوهرها لتحقيق الذات موضوعيا..والتي هي كيانه الفني المتمثل بالمرئي والمتصور الحسي في بنية لفظية خالقة لعالمها الابداعي المتحقق عبر لغة لا تكتسب صفة الشاعرية من دون ان تحقق قدرة من الانزياح.. بصفتها وعاء الفكر واداة التعبير والتواصل بمستوياتها(الفصحى والعامية) المقترنة والبيئة(الاجتماعية والاقتصادية والثقافية).. كونها(ملكة تدخل في كل جانب من جوانب حياة الانسان وفكره..)كما يشير الى ذلك جومسكي..فهي في الشعر تتشكل وفقا لما تتطلبه طبيعة الجنس الكلامي الشعري من اثر الخيال وحضور العاطفة والتكثيف والايجاز والانزياح في الدلالات..
والتجربة الشعرية النوابية التي تمازج ما بين الهم الذاتي والهم الاجتماعي تنبثق من موقف انفعالي يتكىء على حقول دلالية(زمان/ مكان/ ثنائيات ضدية..) مع تكثيف العبارة وعمق المعنى..بجنوحها الى التركيز والايجاز للتعبير عن لحظة انفعالية..اضافة الى توظيفها الرموز واستنطاقها..لذا فالنص الشعري النوابي يتخذ مسارين شعريين متضادين يتمثلان في(الرؤية والرؤيا) وهما يعبران عن الحالة النفسية المأزومة زمانيا ومكانيا..
وها أنا مشرد أقرأ وجه الناس
والباصات والأفلام في الطريق
أقرأ إعلانا عن السلم
وفيه أقرأ التلقين والتصفيق
أبحث عن كتاب الحزن… أو صديق
يا عالما بلا صديق
يا عالما يختنق الإنسان فيه في الزفير مرة
ومرتين في الشهيق
مدينة يمنع فيها الشعر
أو يحتكر الكلام كالشعير يا حبيبتي
يقتلها النقيق
فالنص يمتاز بنمط البناء الهيكلي ومرونة المعيار الايقاعي والبساطة وعمق المعنى الكاشف عن انتمائه الى (السهل الممتنع)..بلغة مغرقة في الاقتراب من اليومي الموقظ للذاكرة والمؤكد على حضور الماضي بين تراكيبها مثلما تؤكد تجاوزه وهو ما دعاه ت.س.اليوت(الحس التاريخي) عبر صور معجونة بقاعدة لغوية عميقة الدلالة تشي باتجاهات الشاعر النفسية والاجتماعية التي اسهمت البيئة في تشكيلها..
(واعرف كيف احب ترابي
فمن لا تراب له لا سماء له)ص238
فالنص يكشف عن البنية الزمكانية التي تعد من اهم بنيات النص الدرامي لانها تنتج الايقاع والصورة الشعرية..فلا يكتفي اثرها في انتاج النص بل يتجاوز لينتج دلالته الغائبة التي تحيل السياق اليها..
(في تلك الساعة
حيث تكون الاشياء بكاء مطلق
كنت على الناقة مغمورا بنجوم الليل الابدية) ص20
فعناصر البنية الزمكانية حاضرة في النص..فالزمان ساعة مطلقة من الليل (الرمز او الواقع) ..اما عنصر المكان ففيه تبئير على مركزيته(الناقة) كرمز وهوية..
هذا يعني ان الشاعر ينتزع صوره الشعرية من محيطه المكاني الذي يعد رافدا من روافد الصورة الشعرية النوابية..اضافة الى استدعائه (النخلة) باجزائها (السعف/الجذع/التمر).. بوصفها علامة لها مرجعياتها الدلالية (الجغرافية والتاريخية والانتمائية)..
(تمسكت بهذي السعفة
من كان له سعفته في الليل سينجو
اعتصموا بالسعف جميعا) ص 112

فضلا عن توظيفه الالفاظ القرانية التي تشكل علامة مركزية في لغة النص المتوهج بدلالات نفسية وروحية باستدعاء اسماء السور ومفرداتها وقصصها التي تدخل في صميم البناء النصي جماليا وتسهم في تماسها مع الذات المستهلكة(المتلقي)..
(خرجت الضحى متلفتا حذرا
فألفيت العمائم آية الكرسي تعلوها..
بتنقيط من الذهب) ص540
اما في مجال اللغة وشواردها فهو يوظف بعض التراكيب القليلة الحضور كاجتماع ضميرين متصلين في محل نصب: (أسقنيها وافضحي فيّ الملاما) ص570
وهو استعمال ينتمي الى لغة الشعر القديم كما في قول المتنبي:
ان كان سركمو ما قال حاسدنا
فما لجرح اذا ارضاكمو ألم
ودخول(قد) على الاسم وهذا مخالف للقياس..كونها تدخل على الماضي وتفيد التحقيق وعلى المضارع وتفيد التقليل..
(فأذن حبيبي..واحترس
ما كل غث ثمر غث
قد الذائق غث) ص205
كثرة تقديم الفاعل على فعله:
(اوراق الشوق لقد سقطت) ص173
اضافة الى توظيفه المتضادات لتحقيق دينامية النص وخدمة الدلالة والفكرة باسلوب سهل يوصل المتلقي الى المعنى ويقربه من الفكرة..
(انك يامن معنا في السراء والضراء
احببناك تشاجرنا
غنيناك
تصرفك الخاطيء احيانا
وتصرفك السيد دوما)
فالشاعر يسترسل في الالفاظ المتضادة(السراء والضراء/الحب والمشاجرة/ الخطأ والتسيد) ليكشف عن واقع قائم عليها ومتغير من خلالها..
اما الغربة التي اعترته فقد تشكلت من:غربة المكان وغربة الذات..
يا وطني وكأنك في غربة
وكأنك تبحث في قلبي
عن وطن ليأويك
نحن الاثنان بلا وطن يا وطني) ص316
ولا يفوتنا ان نذكر ان النواب وجد في المأثور الشعبي مادة حية مكتنزة بابعاد روحية وفكرية تعكس وجوده وتطلعاته من جهة وتسهم في اثراء قاموسه الشعري وتعزيز ايحاء اللفظة عن طريق طاقتها التعبيرية من جهة اخرى..لذا فهو يقترض من العامية مفرداتها المتداولة التي تتسلل الى شعريته لتتخذ مواضعها المناسبة في البناء اللغوي.. فشكلت احد الاجراءات الاسلوبية عنده لتحقيق شعبية القصيدة من خلال توظيفه للالفاظ الشعبية في فصيحه والعكس..
(لقد خربش الحب امسي)ص72
(يا جمهورا في الليل يداوم في قبو مؤسسة الحزن) ص481
هذا يعني ان مصادر المعجم الشعبي النوابي تعددت مشاربه فشملت(الذاكرة الشعرية والتراثية) كقوله:
هدموا الدر
واذاعات العرب الاشراف تبول على النار)ص230
فالنص يتداخل وقول الاخطل في هجاء جرير:
قوم اذا استنبح الضيفان كلبهم قالوا لامهم:بولي على النار
فتمسك البول بخلا ان تجود به وما تبــول لـهم الا بمــقدار
فضلا عن استدعائه للشخصيات والرموز التاريخية من اجل تحقيق ابعاد جمالية ودلالية في النص والتعبير عن رؤى المنتج(الشاعر):
(من سجن الشاه الى سجن الصحراء
الى المنفى الربذي جوازي)ص503
فالنص يشير الى سجن نقرة السلمان والمنفى الربذي يحيل الذهن الى شخصية ابي ذر الغفاري الذي نفي الى الربذة..وهناك استحضار الرموز الصوفية كما في رابعة العدوية العابدة المتصوفة المؤسسة لمذهب العشق الالهي..
(يا طير هنالك في اقصى قلبي
دفنوا رابعة العدوية
وبكيت وشب الدمع لهيبا)ص463
ولا يفوتنا ان نشير الى انتقالة النواب بحسه المرهف وافكاره المتوهجة بصورها الى جوهرة الانفتاح اللغوي لابواب النص الشعبي فكانت البساطة في شعره حد التوحد والآخر ولغة الحدث اليومي المألوف..
(أمَّلني يسمر بيك
كل عمري الكضه واملته
حتى خيالك بالحلم
خايف يجي وامنته)
كل هذا يكشف عن معجم النواب الدلالي الذي يتشكل من:
اولا/ المفردة الرمز (الجزئي)..
ثانيا/العبارة الكلية الحاملة للفكرة..
فالشاعر يختلط في نصه الرمز بالخيال والالفاظ الموحية حلقة وصل بينهما والتي يقتنصها المنتج(الشاعر)لتشكيل البناء الهندسي للعبارة النصية..التي توحي الى دلالات تتجمع لخدمة الفكرة والصياغة فتشكل اسلوبا موسوما بخصوصية لغة الشعر النوابي ومميزاته التركيبية التي تكشف عن دراية واسعة باللغة واساليبها وشواردها عبر نسيج النص الشعري الذي هو خليط من الشائع المشهور وغير الشائع.. الذي يعلن عن امتلاك الشاعر القدرة الفائقة على صياغة الافكار والمفاهيم وطرحها في اطار شعري يحتضن جمل متناسقة وتعابير منسابة تدخل القلب بهدوء وتستفز الذاكرة ..
من كل هذا نستخلص ان النواب ينسج عوالمه الشعرية ويجيد العزف على مفرداتها والغناء بصورها ليحقق موقفا رؤيويا..انسانيا..بمتابعته الاحداث بترتيب زمكاني مع تكثيف الاحساس باستخدام الحوار الداخلي لتقديم جزئيات التجربة الشعرية..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة