هوشنك مرادي كرماني المازح بالألم

سينما الطفل المديونة لـ «هوشو»

أحمد حيدري

هوشو هكذا كان يناديه أهل القرية ومعلمه. هوشو تصغير لهوشنك، بينما يُصغرها أهل طهران ب»هوشي». وهو الذكي والعاقل. ويُقال إنّ هوشنك هو ابن سيامك. الابن الرابع لآدم، وفي زمنه أُكتشف الحديد والنار وصنع الآلات للزراعة وأبعد الشياطين عن الاختلاط بالبشر. وعرُب إلى أوشهنج ويقول ابن الأثير في «الكامل في التاريخ»: وأما ابن الكلبي فإنه زعم أنّ أول ملك الأرض أوشهنج بن عابر بن شالخ … والفرس تزعم أنه كان بعد آدم بمائتي سنة، وإنما كان بعد نوح بمائتي سنة، ولم تعرف الفرس ما كان قبل نوح.
أما هوشو «هوشنك مرادي كرماني» الذي سيحدث نقلة نوعية في سينما الطفل الإيراني عبر نصوصه وقصصه ورواياته فقد ولد في العام 1944 في قرية سيرج التابعة لمدينة كرمان. روائي أحدث فارقا كبيرا في كتابة نصه السردي، ولم يمضِ الكثير حتى اقتبس المخرجون نصوصه وحولوها لأفلام ومسلسلات بنت علاقة وثيقة مع جمهور واسع.
لم يكن أول اقتباس لنصه القصصي «حكاية صنوبرة» لمخرج إيراني، بل اقتبسه المخرج الأفغاني صديق برمك ليخرجه العام 1986تحت عنوان «الغريب»، إذ وجد فيه فكرة الصراع القائم في بلده بين المدينة والقرية، والطفل وسط الصراع يحاول بناء عالمه.
مع المخرج الإيراني المعروف كيومرث بو أحمد، سيتبدل كتاب «قصص مجيد»، وصل إلى أكثر من 12 طبعة والواقع في 680 صفحة، إلى أحد عشر فيلما تلفزيونياً وثلاث أفلام سينمائية. وبما أنّ أكثر أجزاءه صورت في مدينة إصفهان، فقد أطلق عليه نفس الكاتب «رحلة إصفهان». الفيلم والمسلسل يقدمان المدينة كما الرحلة، رحّال يمتلك فضولية طفل اسمه مجيد، يكشف وجوه المدينة التي لا نراها.
وحين صدرت روايته «الجرة» سرعانما تحولت إلى فيلم أخرجه إبراهيم فروزش (1992). حكاية معلم في قرية قصية يدير مدرسة ابتدائية ليس فيها سوى جرة تروي عطش تلامذته، وفي يوم يجدونها مكسورة فيكسر صدعُ الجرة الأحداث المتلاحقة حسب الخطّ الذي يرسه الصدع في الطين المعالج بالنار. والجرة هي سيرة هوشنك الذاتية المتصدعة.
وفي نفس العام (1992) سيقتبس المخرج محمد علي طالبي قصة الحذاء «The Boot»، طفلة تضيع أعزّ ما أهدته لها أمها حين تتركها مجبرة وحدها في المنزل، حذاء أحمر بلاستيكي، وتضيع إحداها وسط زحام باصات طهران. لن نستحضر سندريلا مع المخرج طالبي، سيعزل أعيننا لنتتبع جار الطفلة، وهما في عمر واحد، الباحث عن الحذاء المفقود.
وسيعود طالبي في 2006 مقتبساً من كرماني ومتخذاً نفس عنوان القصة « مثل قمر الليلة الرابع عشر».
هل ما زلنا نحتار مع جارنا حين وصول ضيوف له، وهو لا يملك ما يسد رمقه؟ فيلم «ضيف أمي» (2004) تعامل معه الروائي والمخرج داريوش مهرجويي بدقة حكواتي سيكتب فيما بعد روايته «من أجل فيلم طويل لعين»، مخرج فيلم «هامون» الذي يُنظر له ك «لوليتا» سينما إيران. وسيحصد الفيلم 13 جائزة.
حين صدرت مجموعته القصصية «التنور وقصص أخرى» 2002 والتي تضمّ 16 قصة، سيقتبس مخرج من نفس المدينة كرمان بعد أعوام على صدروها (فرهنك خاتمي)، قصة التنور لتتأجج ناره سينمائيا.
مَن منا لم يسمع بالسجاد الإيراني؟ ذلك السجاد الفاخر والسحري الذي طار بعلاء الدين بين المدن، في كتابه «أطفال حياكة السجاد» (1980) يحطم هوشنك كرماني ساحرية السجاد الإيراني بكتابه هذا، حين ذهب إلى مدينته كرمان وجلس لأيام يراقب بدقة الأطفال وهم يصنعون السجاد بأجسادهم الصغيرة في الأقبية وتحت وهج الشمس. قال حين أنهى الكتاب: «أردتُ فهم تفاصيل ما يمرون به وهم يحوكون السجاد.»
منذ نصه الأول تشعر بصوت الكاتب، وأقصد هنا صوت الكاتب وهو يقرأ نصه لكي يسمعه الجميع، ليرى مدى تأثير ما يقرأه عليهم. فقد عمل قبل أن يصبح كاتبا في إذاعة محلية في مدينة كرمان «1960»، وهو ما أعطاه ذلك الصوت المسموع في نصوصه. وحين طبعت له مجلة «خوشه» التي يرأس تحريرها الشاعر أحمد شاملو، أول قصة له «زقاقنا السعيد» مزج السخرية بالألم بصوت عالي.
بعد أن أصبح كاتباً مشهورا سألوه من هم أساتذتك؟ فقال: «تعلمتُ الكتابة بلغة الشعب من القاص صادق جوبك، والكتابة الشعرية من إبراهيم كلستان، والإيجاز من همنغواي وكلستان سعدي، والإحساس من صادق هدايت والفكاهة من تيشخوف ودهخدا.»
سيحتفي المهرجان الدولي لأفلام الأطفال واليافعين برحلة إصفهان أو قصص مجيد كفيلم وكمسلسل في نفس المدينة هذا العام، وسيتاح لزواره رؤية أماكن تصويرها، من يونيو حتى ۶ من يوليو، وسيروي بعض مَن عايش أحداثه تجربته عن هذه الرحلة السينمائية حين كان طفلاً. سيجلسون في الباصات وهي تنقلهم بعد أن أنهوا مشاهدة الأفلام في صالات السينما، ولن يقرؤوا كما قرأ هوشو الكتب المملحة، فحين كان طفلاً وأراد شراء كتاب، اضطر للعمل على تنزيل أكياس الملح من شاحنة، وفي نهاية الليل وبعد أن قبض ماله واشترى به كتاباً، لم يستطع تقليب أوراق الكتاب من شدة الجراح التي تركتها أحجار الملح على يديه، فقلب الصفحات بلسانه. إنها مديونة لكَ.

مقالات ذات صلة

اضف رد