الأخبار العاجلة

دلالات التنمية المستدامة

د. مهدي الحافظ
نائب عراقي
خلال العقود الاخيرة ،شهد الفكر الاقتصادي جملة من التحولات بشأن مفهوم التنمية . فكان الرأي السائد آنذاك هو ان يعطي عامل الدخل Income او العائد الاقتصادي الاهمية الحاسمة في توصيف هذا المفهوم. وهذا يعود لاسباب تتعلق بهيمنة الفكر الاقتصادي ذي الطابع الرأـسمالي الصرف .وترتب على ذلك ان اهمل العامل الاجتماعي ولم يذكر ابدا في معظم الادبيات الانمائية.غير ان تطور الاحداث في المجال الاقتصادي افضت فيما بعد الى الاخذ بالمضامين الاجتماعية وجعلها الصفة المهيمنة على توصيف مفهوم التنمية ، ولا سيما في عقد السبعينات من القرن الماضي ، أي القرن العشرين.
ان تحديد التوازن بين المؤشرات الاقتصادية وهي السعر والدخل والتضخم والخدمات الاجتماعية وسواها امر مهم للغاية من الناحية المبدئية والمنهجية في الدراسات الاقتصادية والانمائية. واليوم نجد ان اعادة التوازن بين هذه العناصر قد يتبلور وينضج وذلك بادراك مفهوم التنمية المستدامة وآثارها الكبيرة .
مؤتمرات مهمة
لقد عقدت مؤتمرات ولقاءات فكرية عالمية واقليمية لبحث هذا المفهوم وتحديد خصائصه واثاره على نحو دقيق وسليم . وكان الجامع الاساسي بينها جميعا هو تحديد العلاقة بين التنمية و حماية البيئة بوجه خاص .
ففي السبعينيات من القرن الماضي عقد في ستوكهولم « مؤتمر الامم المتحدة للبيئة الانسانية « وطرح لاول مرة اهمية التوفيق بين التنمية بوصفها العنصر المحدد لنوعية الحياة وبين البيئة التي تضم مخزون المصادر الطبيعية والاجتماعية المتوفرة من اجل خدمة حاجات الانسان .لذلك عرفت عملية التنمية بأنها عملية استخدام تلك المصادر لزيادة رفاهية الانسان او على الاقل المحافظة على مستواها وبذلك اصبح واضحا ان حماية البيئة وتعزيز التنمية هما عنصران يكمل احدهما الاخر . بل انه جرى تلخيص ذلك باعتماد ثلاثة عناصر هي :- النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية وحماية البيئة ويذكر ان الرئيس الاسبق « لبرنامج حماية البيئة لامم المتحدة « الدكتور مصطفى طلبة قد اكد مرارا بأن الممارسات الاقتصادية الحالية يجب ان لاتقلل من فرص الاجيال القادمة أي اعتماد آليات وقواعد متطورة لخدمة الاجيال القادمة أي جعل التنمية مستدامة اجتماعيا وبيئيا . والواقع ان الدكتور مصطفى طلبة كان قد عمل ايضا استاذا في جامعة بغداد ومديرا لقسم النباتات Botony قبل ان يتولى منصبه في UNEP.
مؤتمر COCOYOC في المكسيك
في تشرين الاول 1974 عقد لقاء في COCOYOC في المكسيك وذلك بالارتباط مع ظهور العالم الثالث كظاهرة اقتصادية مهمة في العالم ، الامر الذي اكد من جديد على ضرورة التلازم بين التنمية وحماية البيئة . وضم هذا اللقاء نخبة عالمية من العلماء والاقتصاديين البارزين. فلم يعد سليما ولا مقبولا التمسك بالدخل Income كعامل وحيد لتوصيف التنمية بل جاء العالم الثالث بعوامل مهمة اخرى تتعلق بالعدالة وتكافؤالفرص بين المواطنين الامر الذي طرح من جديد فكرة اعادة التوازن بين المؤشرات الاقتصادية . وبات من المطلوب الاهتمام بالعواقب المترتبة على النهج الاحادي في مجال التطور الاقتصادي . فالعالم الثالث كان يعاني من تفاقم المديونية الخارجية وتردي الانتاجية ولاسيما في القطاع الصناعي واتساع الفجوة الاجتماعية وانتشار المجاعة بمعدلات عالية . هذه العوامل كانت ومازالت ذات اثر مباشر على حياة الناس وطبيعة برامج التنمية فيها .
نظرية مالتوس Maltos
وينبغي ان نشير الى ان التاريخ الاقتصادي ولاسيما في القرون الماضية قد واجه معضلة التضاد بين نمو السكان على وفق متوالية هندسية ونمو الغذاء على وفق متوالية عددية. وانعكس ذلك في نظرية الاقتصادي المشهور مالتوس في اواخر 1700 . أي ان الجذر الاقتصادي للعلاقة بين التنمية والبيئة كان قائما في العديد من الطروحات والنظريات الاقتصادية السابقة.
اللجنة العالمية برئاسة Jan Tinbergrn
في 1946 تشكلت هذه اللجنة بهدف اعادة تشكيل النظام الدولي واعدت تقريرا مهما الى نادي روما . وفي 1983 تشكل فريق كبير برئاسة W.Brandt
المستشار الاسبق لالمانيا وركز على مكافحة خطر التدمير الذاتي للانسانية والحرص على استثمار الموارد الطبيعية . وكذلك تشكلت لجنة عالية برئاسة Brundtland رئيسة وزراء النرويج واهتمت بالنقاط التالية:
• مكافحة الفقر والحرمان والمحافظة على الموارد واصدرت تقريرا مهما بأسم مستقبلنا المشترك .
ان هذه المفاهيم جميعها تأكدت فيما بعد وطرحت التنمية المستدامة بوصفها برنامجا للاداء الاقتصادي والاجتماعي وليس نظرية بحتة بل تدورحول مجموعة من السياسات العملية ذات الهدف الاساسي المتعلق برفاه المجتمع وحماية البيئة ووقف جميع الفعاليات المسيئة للبيئة.
وفي العراق ظهرت هذه المعضلة بصورة صارخة في الفترة الاخيرة وحرصت المنظمات الدولية ولاسيما المعنية بحماية البيئة على التحذير من المخاطر المحتملة للتدهور المستمر في احوال البيئة وآثارها الاجتماعية الخطيرة . لذا وضع هدف التنمية المستدامة بوصفه محورا للنشاط الاقتصادي الشامل وجعله عاملا اساسيا في تطوير الحياة العامة

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة