الأخبار العاجلة

كي لا يكون التأريخ حكايات عجائز

د. عبد العظيم السلطاني

لم تعد المدوَّنة التاريخية في ثقافتنا نصوصا دالة على أحداث ماضية، كما هو الشأن في ثقافات أمم أخرى، اشتغلت على نفسها فهدمت أسيجة العقل فيها، وفسحت للموضوعية محلا رحيبا. ومن علامات تلك الموضوعية أن يبقى الإنسان إنسانا والتاريخ تاريخا، بينهما برزخ، فلا يبغي أحدهما على الآخر، فينتهك وجوده ويمسخ معناه. فالنسق الثقافي الذي يحكمنا اليوم – شئنا أم أبينا – جعلنا جزءا من التاريخ، وجعل أنموذج الحياة الأمثل والأكمل هناك قابعا في قعر التاريخ. وصار كلّ أملنا أن نكون مثل الذين كانوا، وأن يكون الحاضر صورة من الأمس، حتى لو كانت مستنسخة وبائسة ومضحكة.
ومن المُضْحِكات المُبْكِيات أنّ هذا التاريخ الذي يُراد لإنسان اليوم أن يكون محنّطا في متحفه؛ لم تُعرض نصوصه على النقد. ولم تفحص أسسها ومستنداتها فحصا علميا، لنتمكن من الاقتراب من معرفة ما حصل على أرض الواقع، ولنفهم دلالة ما حصل بشكل علمي موضوعي.
لذا فنحن اليوم متورطون، عالقون في مشكلتين، أحدهما داخل الأخرى: فنحن غارقون في ثقافة كل ما فيها يدفعنا دفعا لنكون جزءا من التاريخ المنقول إلينا من خلال نصوص. وهذه هي المشكلة الأولى. وإنّ نصوص هذا التاريخ لم تُنقد، لتُفحص فحصا موضوعيا علميا. وهذه هي المشكلة الثانية. والمشكلة الثانية هذه هي موضوع السطور الآتية.
تاريخنا المدوّن كتبه الهواة والمحترفون، والمظلومون والطغاة، والموتورون والأسوياء، والموضوعيون والمزورون، والحاقدون والطيبون، كتبه العارف والجاهل… كتبه كل من لديه القدرة على الكتابة، ولديه دافع يدفعه. وفي بعض مراحله حين كان مرويات شفاهية صاغه كل من لديه القدرة على ((تسفيط)) الكلام، وأسمعه لآذان الناس، فرووه ،أيضا، مضيفين أو حاذفين. ثم جاء التدوين فدوّن كل هذا بكل صدقه وكذبه، وبكل الحقيقي فيه والمزيّف.
وقد يقتضي التزييف أن تُكتب نصوص التاريخ بأثر رجعي. فبعض نصوصه الصحيحة أو المزورة استدعت نسج نصوص جديدة تمهّد لها، لتجعلها تبدو موضوعية في سياقها، ومنسجمة مع منطق السرد. وهكذا، النص استدعى نصوصا، فكبُرت وكثُرت. وكبُرت وكثُرت معها مشاكلها، وفُتحت بوابات ضررها على أجيال لاحقة، وُلدت لتجد نفسها في ثقافة تسوقها إلى التاريخ قسرا.
في نصوص التاريخ كمّ غفير من حكايات سردها الساردون، كل بحسب مصلحته ونواياه وفهمه… فبعضهم كتب مؤرِّخا بثمن مدفوع، أو كتب مدفوعا بعقيدته الخاصة، ليبيّض مسودّا أو ليسوّد مبيضّا. وبعضهم سرد روايات في التاريخ لتسلية الناس في المجالس وليالي السمر. ومن أجل تلك الغاية كيّف الساردون نصوص التاريخ لتتمدّد وتتسع للإضافة، فاتسعت حاوية سموما ابتلعتها أجيال لاحقة… كل هذا المتنوّع والمتعدد والمختلف من نصوص التاريخ موجود الآن ويستعمِرُنا، فنحن مُستعمَرون مختطفون. اخطفنا طوفان هائل من الحكايات المدونة في بطون كتب التاريخ. وكلّما ابتعد زمن تدوينها اكتسبت قوة في أذهان الناس، فثقافة احترام القديم قائمة وقارة لدينا. حتى كأنّ غلاف الكتاب القديم حصن يحميه من النقد. بل اكتسب بعضها القداسة المباشرة أو الضمنية. وصار الاقتراب من بعضها تجديفا أو تجاوزا لا يُغتفر. وصارت تلك الكتب منبعا لنصوص تجلد حاضرنا كلّ يوم. بعضها متضاربة فيما بينها، بحسب مصلحة الرواة والمدونين، أو طبيعة اختلاف ما اعتقدوا به من دين أو مذهب، أو ما اعتنقوا من سياسة لبست لبوس الدين، أو تخفّفت منه. وبالنتيجة أضحت النصوص المتصارعة صورة لصراع المدونين، قبل أن تكون صورة ناقلة لصراع الواقع في حينها. ثم كانت الصفحة أو الصفحات اللاحقة بأن صار يُراد لواقعنا أن يكون صورة لذلك الصراع المفترض أو الحقيقي.
كثير من نصوص التاريخ لا يقبلها عقل عاقل ساهم العلم الحديث في تشكيل عقله، ولا يقبلها ذوق من لديه الحد الأدنى من الذوق… وصار يشترك في جلدنا بسياط هذه الحكايات من يرتقي المنبر في المسجد مع مَنْ يجلس في الصف الأكاديمي وأُوكل إليه أمر تدريس الطلبة. حتى لم يعد مستغربا أن يروي لك أستاذ أكاديمي خزعبلات ممّا يُسمى نصوصا تاريخية، دون أن يتنبّه أنّه ابن للجامعة، التي وُجدت لتكون بيتا للعلم والعقل العلمي. وصرنا نستقبل رسائل أكاديمية محشوّة البطون بمرويات وحكايات هزيلة، لكنها مستلّة من كتب التاريخ. ولو عُرضت تلك الروايات على النقد وقوة مناهجه العلمية الحديثة لوجدت نفسها أوهى من بيت العنكبوت. فالنقد التاريخي قادر على وضع تلك النصوص في سياقاتها الصحيحة وفحص أسسها وتماسكها وانسجامها، وتدبّر معانيها برؤية منهجية تفكيكية أو بنيوية، أو غير ذلك من طرائق التفكير وممكنات البحث. لماذا ،إذاً، لم تُنقد تلك الروايات التاريخية، نقدا علميا؟! ولماذا هي حاضرة في رسائل أكاديمية وفي ذاكرة أكاديميين صدقتها عقولهم؟!
أكاد ألقي اللوم أولا وقبل كل شيء على طبيعة المقررات التي تُدرّس في الجامعات. فثمّة غياب واضح لمقرر يُعنى بتدريس ((النقد التاريخي)). وحين أقول ((النقد)) فإني أعنيه. فحتى كلمة ((نقد)) بحد ذاتها هي ضرورية الوجود في المقررات التي تُدرَّس، لتكون عنوانا تراه عيون الطلبة وتسمعه آذانهم، ويتداولونه مصطلحا يدور على الألسن. فإحدى أهم غايات الجامعة أن تصنع عقولا ناقدة، تثقّفت بثقافة النقد، فلا تقبّل بكل شيء ولا تسلّم لكل شيء، إلا بعد إخضاعه للنقد والتحليل وأصول الفهم… وليس من أولويات أهداف التدريس في الجامعة أن تكون المقررات مثقلة بعنوانات غاياتها ضخ المعلومات. وكأن عقول الطلبة مخازن أمينة، يفرغون فيها ما في بطون كتب التاريخ.
حين أقول ((النقد التاريخي)) لا أعني به درس منهج البحث التاريخي، فهذا غايته الأساس تعليم الطلبة كيفيات كتابة البحث، وهم وإن مرّوا على بعض طرائق التفكير فيه، فإنّ مرورهم يبقى مرورا بسيطا ومبتسرا، فلا تساعد على ذلك الأهداف الأساسية للمقرر أو الوحدات الزمنية المخصصة لتدريسه. وقد يمرّون على بعض ما نحن بصدده في درس ((فلسفة التاريخ))، من معنى ودور وأهمية…ولكن بالنتيجة يبقى كل هذا شيئا غير الذي أقصده من ((النقد التاريخي))، درسا أساسيا ينمّي العقل النقدي للطالب. يتعلّم فيه مناهج النقد التاريخي وأسس النقد التاريخي، وأصول تحليل النصوص التاريخية…الخ. لماذا لا يُدرّس الطلبة أصول تمييز الأساليب، للمساعدة في عزل النصوص المزيفة الدخيلة على العصور؟! لماذا لا يُدرس الطلبة أصول التفكير العلمي، لتنمو لديهم القدرة على رفض الخرافي واللامنطقي من نصوص التاريخ؟ لماذا لا يُدرس الطلبة أصول تحليل الخطاب التاريخي على وفق مفاهيم علم النص الحديث؟. لماذا لا يُدرّس التفكيك منهجا أو البنيوية طريقة في التفكير؟! فهذه المناهج وغيرها مناهج تفكير، لا تخص الدرس الخاص بالأدب، أو النقد الأدبي. ولعل طرائق فوكو في الدرس مهمّة للغاية في درس التاريخ، وهي أكثر ملاءمة للدرس التاريخي حين يُقارن بحقول معرفية أخرى كالأدب وغيره.
كي لا يكون درس التاريخ حكايات عجائز لم يغربلها النقد؛ على أقسام التاريخ في الجامعة أن تكون ورشة تعلّم كيفيّات التعامل مع نصوص التاريخ.. لتكون تلك الأقسام أنموذجا لجهات أخرى غير أكاديمية، لكنها ،أيضا، تشتغل بالتاريخ وتعتمد على نصوصه، فتتعلم من الجامعات كيفيات درس التاريخ. وفضلا عن هذا فأقسام التاريخ تخرّج آلاف الطلبة، وهم أعضاء في المجتمع وهم مدرسو التاريخ ،أيضا. فصناعة عقولهم صناعة علمية أمر فيه خدمة للعلم والمجتمع. والمصدر الرئيس في هذه الصناعة هو ((النقد التاريخي))، الذي ينبغي أن يكتسب في ثقافتنا الراهنة أهمية مضاعفة. لأن التاريخ بطوفان نصوصه فتح علينا بوابات جهنم كلّها. فبسببه أريقت الدماء واستبيحت الحرمات وخُرّبت الحياة… مؤلم شديد الألم أن يُسجن إنسان اليوم في نصوص الأمس، ويتضاعف الألم حين نتذكّر أن الكثير من نصوص الأمس هذا ليست سوى أكاذيب وأباطيل، لم يمر عليها مبضع النقد ليستأصِل المزيف منها، ويضع الأحداث في سياقها الصحيح، ليقترب إنسان اليوم من تصوّر موضوعي لحقيقة ما حدث، ليحمي الحاضر ويوقّر درس التاريخ.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة