عبد الكريم المصطفاوي
القصيدة..
وداعٌ بلهجةٍ باكية..
كلـّما تمشين في الكون اذكريني..
فلقد أبقيتُ في الدرب خطاي..
وإذا ما شاقك الصوتُ اسمعيني..
فضحى البرد صداي..
رتّبي أسطر دمعاتي..
وخطّي بسمةً فيها..
ترَيْني.. قُبلةً آتيكِ في لمسة ناي..
لا تخافي..
……………
أخبريني كيف لي أن أقتني منكِ فراشاتٍ لزادي..
كيف لي أختزل الساعات في معصم رنّات البعاد..؟
أخبريني.. لا..
دعي عُشبَ ملاك الحلم يرعى في سهادي..
أنا أبكيك لأنّي منذ فارقتـُك فارقتُ بلادي..
لا تخافي..
…………….
طَرَقاتي.. هل على (البيبان) مازال نداها سُكّرا..
ومفاتيحي.. أ تشكولك..؟
هل تسأل عن ماذا جرى..؟
طمئنيني.. عنك..
هل خفتِ كثيرا..؟
حينما ظلَّ فراشي مقفرا..؟
لا تخافي..
…………….
في دمي ينبوعُ خبزٍ يشتهي جوع يديك..
وشهيقٌ بين سيراميك أنفاسكِ يغفو ويناديني إليك..
لا تخافي..
قُبلةٌ واحدةٌ تكفي بأن تزرع غاباتٍ من الآمال..
ترفو شُهُبَ القمح بذكرى ناظريك..
لا تخافي..
…………….
ابحثي في مدني عن وترٍ..
فلقد أرخيتـُه ظلاً يُناغي جمر نزفي..
وابحثي..
عن فتافيتِ سكون البلبل الحافي،
سوى من عطر موسيقاه خلفي..
وفَرَولات سماء الخد تلهو فوق كفي..
ابحثي عن زغب القطّة في حضني الأخير..
وامسحي دمع شناشيلكِ في منديل عطفي..
لا تخافي..
…………….
مشّطي خصلة أمواجي سأنمو من ضفافي..
لا تخافي..
فلقد وجّهتُ مرساتي..
سآتي..
انتظريني قرب خصر الماء..
كي أدلي على صدركِ أقراط اعترافي..
لا تخافي..
القراءة…
الشوق واللهفة والحنين؛ مصاديق للألم الذي يقاسيه الشاعر ( العاشق)؛ ألم الفقدان والحرمان من الحبيب، يرى أنه لا يشعر باليأس بل مازال يتمسك بأمل لم الشمل مجددا!
رمزية النص:
حفل النص برمزية عالية.. فعلى سبيل المثال، عندما يخاطبها الشاعر “كي أضع أقراط اعترافي في صدركِ”،
هنا يحاول أن يعبر عن الاعتراف بشيء عزيز أو قيم وكأنه يقدم لها هدية ثمينة (الأقراط)، وكأن الاعتراف سر ثقيل يُلقى أو يُوضع، حيث يجعل الاعتراف أشبه بقلادة أو أقراط توضع فوق صدر الحبيبة، مما يعزز الطابع الرمزي والوجداني في النص.
وكذلك في ” وامسحي دمع شناشيلكِ في منديل عطفي..”
إذ يستعير الشناشيل لتحل محل عيونها، والرمزية العالية للشناشيل؛ التراث والتاريخ والخلود؛ كلها تتجسد في عيون الحبيبة، فهذه العيون ليست سوى شناشيل يلجأ إليها الحالمون والباحثون عن الآمال الضائعة.
الاغتراب:
الاغتراب النفسي للشاعر واضح وبيّن من خلال خوفه من النسيان! وهو يحاول أن يقاوم هذا الخوف بإساقطه على الحبيبة! فيناديها: لا تخافي.. لا تخافي.. ولكن الحقيقة أنه هو الخائف من اللا عودة!
كما أن هذا الاغتراب النفسي يتحول إلى اغتراب أكبر؛ فهو يرى فيها الوطن، إذ يقول:”أنا أبكيك لأنّي منذ فارقتُك فارقتُ بلادي..”
وهو هنا يحاول تصوير وجود الحبيبة بوطنه النفسي، مما يعكس أن الخسارة ليست مجرد خسارة لعزيز، بل هي أكبر ..بحجم خسارة وطن.
كذلك يعكس الشاعر شوقًا عارمًا للمحبوبة عبر صور حسّية مكثفة: “في دمي ينبوع خبز يشتهي جوع يديك”.
إنه يشبهها بالخبز! وبهذا فإن الحاجة كبيرة جدا لها، فكما الإنسان لا يمكنه البقاء بلا خبز، فهو لن يقوى على البقاء بعد رحيلها!.
ورغم كل ذلك نجده يود أن يطمئنها من خلال التأكيد على أن أن الحبّ الحقيقي لا ينتهي حتى بعد الفراق، بل يظلّ محفورًا في القلب والروح، وأن كانا بعيدين جسديا لكنهما قريببن كحبل الوريد.
في هذه اللوحة يقدم لنا السراي كعادته لوحة غنية بالوجد والشوق، محاولًا عبرها تجاوز ألم الفراق عبر الأمل في العودة.