الأخبار العاجلة

البرلمان التونسي ليس مكاناً آمناً للنساء!

فاطمة بدري*

((هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها موسي للتعنيف في قلب البرلمان، كما سبق أن تعرضت نائبة أخرى عن حزبها وهي زينب السفاري للصفع على يد نائب “حركة النهضة” ناجي الجمل))
لا تزال مشهدية العنف في البرلمان التونسي يوم 30 حزيران/ يونيو حاضرة في النقاش العام في البلاد. فقد أعاد اعتداء النائب الصحبي سمارة، المنتمي إلى “حزب ائتلاف الكرامة الإسلامي”، على رئيسة “الحزب الدستوري الحر” عبير موسي، الجدل بشأن ارتفاع منسوب العنف ضد المرأة داخل البرلمان، المكان الذي يفترض أن يسن قوانين تحميها من الانتهاكات وتدافع عنها في وجه المعتدين.
حصل ذلك أمام الجميع، كاشفاً ازدواجية سياسيين كثيرين في ما يتعلق بحقوق المرأة، إذ عرّى مواقفهم العنفية والتمييزية. وزاد الطين بلة، موقف رئيس البرلمان ورئيس “حركة النهضة” راشد الغنوشي، الذي امتنع عن اتخاذ أي إجراء تأديبي بحق مرتكبي أعمال العنف.
وفي مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع، يبدو واضحاً كيف غادر سمارة مكانه وتوجه مباشرة إلى رئيسة “الدستوري الحر” وصفعها، بينما كانت تقوم ببث مباشر لجلسة الموافقة على قانون يتعلق باتفاقية بين الحكومة و”صندوق قطر للتنمية”، لفتح مقر له في تونس عبر هاتفها. وأظهر المقطع المصور أن النائب نفذ اعتداءه عن سبق إصرار وترصد، واعتبر كثيرون أن الحادث كان مرتباً سلفاً، لا سيما أن سمارة عرف بغيابه المتكرر عن جلسات البرلمان. لكنه حضر في جلسة تزامنت مع حدثين مهمين، الأول يتعلق بالاتفاقية مع قطر التي أثارت نقاشاً ومعارضة أطراف عدة في البرلمان.
ويوم المناقشة، كانت عبير موسى تنتقد الاتفاقية فتعرضت للتهديد والشتم والركل من جانب النائب سيف الدين مخلوف، رئيس كتلة “ائتلاف الكرامة” المتورط في أكثر من حادثة عنف إضافة إلى معاداته الإعلام.
أما الحدث الثاني فكان كشف لجنة الدفاع عن الضحيتين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، ما اعتبروه انتهاكات قضائية كبرى قام بها القاضي البشير العكرمي، في سلسلة قضايا تتعلق بالإرهاب، إذ يتم الربط بينه وبين “حركة النهضة” التي تتمتع بنفوذ واسع في القضاء.
هذه الوقائع جعلت بعض التحليلات تربط بين ما أدلت به لجنة الدفاع، وبين الاعتداء على عبير موسي، نتيجة الاحتقان الذي سببه هذا الموقف المحرج بالنسبة إلى “حركة النهضة” وحلفائها.
وسمارة الذي اعتدى على موسى هو أحد الوجوه التي كانت محسوبة على نظام الرئيس زين العابدين بن علي سابقاً، وبعد الثورة عبر عن ندمه وانخرط في “ائتلاف الكرامة” المتحالف مع “حركة النهضة”.
هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها موسي للتعنيف في قلب البرلمان، كما سبق أن تعرضت نائبة أخرى عن حزبها وهي زينب السفاري للصفع على يد نائب “حركة النهضة” ناجي الجمل.
وفيما أثار الحادث استياء مختلف الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني، في إجماع على ضرورة إحالة النائب المعتدي على القضاء، على رغم الحصانة، اكتفى رئيس البرلمان راشد الغنوشي بالإدانة على لسان الناطق الرسمي باسم مكتبه ماهر مذيوب، من دون اتخاذ أي إجراء تأديبي. كما اعتبر النائب عن “حركة النهضة”، نور الدين البحيري في تدوينة نشرها على “فايسبوك” أن ما حدث نتيجة استفزاز عبير موسي، محذراً من ردود فعل خطيرة. موقف بدا تبريراً للاعتداء وتشريعاً لاعتداءات مماثلة.
المجتمع المدني غاضب
وجاء رد منظمات المجتمع المدني شديد اللهجة. إذ حمل “الاتحاد العام التونسي للشغل” (أكبر نقابة عمالية) الغنوشي مسؤولية تكرار هذه الممارسات المسيئة للعمل السياسي والمنتهكة لكرامة المرأة، مندداً بما وصفه بـ”الاعتداء الجبان من كتلة الإرهاب”.
كما دعا “المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة” (مرصد حقوقي مستقل) النيابة العامة إلى تتبع النائبين بعد اعتدائهما بالعنف على النائبة موسي تحت قبة البرلمان. وشدد على أن العنف اللفظي في البرلمان بقي من دون محاسبة، مديناً موقف رئيس البرلمان وموقف رئيس الحكومة.
وأدان “الاتحاد الوطني للمرأة التونسية” في بيان له سلوك النائب وتصرفه المتلبس بجريمة العنف ضد المرأة، داعياً إلى رفع الحصانة عن سمارة وإحالته باسم المجلس على القضاء بتهمة الاعتداء بالعنف المادي على النائب عبير موسي وإهانة حرمة البرلمان.
وطالبت رئيسة الاتحاد راضية الجربي، وزيرة المرأة بملاحقة المعتدين، مؤكدة في تدوينة نشرتها على “فايسبوك” أن الاعتداء على موسي هو اعتداء على النساء اللواتي يمارسن العمل السياسي.
أما “الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات” فاعتبرت أن مجلس نواب الشعب أضحى ساحة لتعنيف النساء وانتهاك حقوقهن وتحول إلى “فضاء غير آمن لهن”.
وشددت الجمعية على أن مواصلة الإفلات من العقاب في جرائم العنف ضد النساء تؤسس لتخويف النساء من ولوج المجال السياسي مستقبلاً، بهدف إقصائهن وإزاحتهن من المنافسة على مواقع القرار وتسيير الشأن العام، تمهيداً لإعادتهن إلى الفضاء الخاص كما لو كان الفضاء الطبيعي الوحيد لهن.
وتجدر الإشارة إلى أن تمثيل النساء في البرلمان في ولايته الحالية، تراجع وتقول الأصوات المدافعة عن حقوق المرأة إن تتالي حوادث العنف التي تستهدف النساء هو أحد أسباب عزوفهن عن ممارسة العمل السياسي.
الرئيسة السابقة للجمعية يسرى فراوس أدانت الاعتداء واعتبرت أنه لا ينفصل عن بقية حوادث العنف المسلط على النساء، وأن البرلمان قد تحول إلى ساحة لتعنيف النساء وضرب حقوقهن وأصبح “فضاء غير آمن لهن ومسرحاً لضرب حقوقهن وإهانتهن ونهيهن عن المشاركة في الحياة السياسية”.
وقالت لـ”درج”، “إن هؤلاء الضالعين في أعمال العنف داخل البرلمان مجموعة ذئاب سقطت عنهم أي صفة سياسية. ولا يسعني هنا إلا أن أدعو النساء البرلمانيات بما في ذلك نائبات النهضة إلى اتخاذ موقف، فإذا لم نقف نحن النساء سداً منيعاً أمام هذه الظواهر وهذه المجموعات، فإن الأمر سيزداد خطورة”.
كما شددت فراوس على غياب قضايا المرأة عن الخطاب السياسي منذ عام 2019، وارتفاع منسوب العنف ضدها بنحو 7 مرات.
وسُجلت في الفترة الأخيرة حوادث عنف شديد ضد النساء، انتهى بعضها بالموت والبعض الآخر بالإيذاء الجسدي الدائم.
يحدث هذا الانفلات في العنف الشديد ضد المرأة نتيجة التراخي في تطبيق الإجراءات لدى لجوء الضحايا للأمن والقضاء. لذا يبدو المشهد الأخير في البرلمان مفارقة مقلقة كون مجلس النواب هو المساحة التي يفترض أن تتولى مهمة تشريع القوانين الحامية للمرأة، لكن يبدو أن تكرار مشاهد العنف داخله، لا سيما المرفقة بالإفلات من المحاسبة، قد حفز البعض على ممارسة العنف بلا هوان أو حدود.
وعلى رغم ترسانة التشريعات التي تميز تونس عن غيرها من البلدان العربية المحافظة، إلا أن ذلك لم يوقف مسلسل العنف ضد المرأة. إذ أقرت تونس قانوناً طموحاً لمناهضة العنف ضد المرأة في 26 كانون الثاني/ يناير 2017، توقعت المنظمات والأحزاب التقدمية أن يعزز مكانة المرأة ويحصنها من العنف ويحررها من القيود الاجتماعية، لكن حتى اليوم تؤكد الوقائع أن القانون ما زال صورياً، لا سيما أن الجهة التي شرعت لهذا القانون هي التي تدوس عليه وتمارس العنف ضد المرأة علناً وبلا رادع.

*صحافية تونسية
عن موقع درج

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة