الأخبار العاجلة

الخديعة

هي محاولة لمقاربة المشهد العراقي الملتبس من نافذة لم تحظى بما يليق بها من الاهتمام؛ الا وهي “الخديعة” هذه المفردة التي تختزن الكثير مما هو ضروري لفك شيئأ من طلاسم ما انحدرنا اليه. ولكن كيف بمقدورها مساعدتنا في هذا الامر الجلل، والذي عجزت عن فك مغاليقه، جهود ومحاولات وفزعات لا حدود لها..؟ لن نذهب بكم بعيدا الى اغوار تاريخنا القديم والحديث، لنؤشر على ابرز نشاطات هذه المفردة، ونوع الادوار المفصلية التي لعبتها في فتل عنق الاحداث، صوب المسارب المتنافرة وتطلعات الناس العادلة والمشروعة. سنقتصر على نسختها المستجدة على تضاريس المشهد الراهن، أي خديعة وجود “نظام جديد” نهض على انقاض النظام المباد. كل من يقبض على شيء من الذاكرة والشجاعة والانصاف، يعرف جيدا ان الاميركان وحلفاؤهم الدوليين والمحليين وما كان يعرف بـ “المعارضة العراقية” لم يكونوا يملكون اي تصور واضح عما ستؤول اليه الامور، وقد اشارت الى ذلك الكثير من التقارير الدولية والمحلية، وهذا ما نجده ايضاً في مذكرات الحاكم المدني آنذاك السفير بول بريمر.
هذه هي العتبة الاولى لتلمس ابعاد هذه “الخديعة” ومن ثم ننتقل تدريجيا الى ما جرى كما هو، لا كما صورته وروجت له وضخته مافيات الاعلام وعصاباته المهيمنة محليا واقليميا ودولياً؛ بوصف ما جرى وباختصار شديد بانه “باطل وما بني على باطل فهو باطل” وهي عبارة تبدو بديهية وبريئة جداً وسريعة الهضم، لكنها تخفي تحت ذلك الملمس الناعم سم الخديعة الزعاف. ما جرى بعيد كل البعد عما اجروه لاحقا من مقاربات ومقارنات بين النظام المباد و “النظام الذي لم يوجد اصلاً” لينتهوا الى ما رسموه من اهداف وغايات متنافرة وما استعاروه من خطابات وشعارات تستعمل لديهم لمرة واحدة. نتذكر نسخة العلم الذي صنعته ريشة الفنان وفيلسوف العمارة والذي رحل عن عالمنا قبل أيام رفعة الجادرجي، وما حل بها بعد أن وجد الراحل الكبيرنفسه وحيدا، وسط زعيق وصرخات هتاف الفلول: “لن ينزلوك ما دمت حيا” وها نحن بعد أكثر من 17 عاماً على ما يفترض انه زوال النظام المباد ما زلنا نرتل نشيده ونرفع علمه..؟!
لا احد يشك بما قام به المشرط الخارجي، أي اختفاء مظاهر النظام المباد وصوره وشعاراته ورموزه من على سطح مسرح الاحداث. لكن ومما لا شك فيه ايضا، ان البلد لم يشهد أية تحولات جدية لصالح ما يفترض انه مشروع الضد النوعي لذلك النظام، وليس من قبيل الصدف أن نجد الخلطة السياسية لعراق ما بعد “التغيير” وعند شتى اطراف اللعبة (موالاة ومعارضة) لا تجد أية غضاضة في التعايش مع علم ونشيد النظام المباد. نعم لم تظهر على تضاريس هذا الوطن الممتد من الفاو لزاخو، اية علامات تشير الى التعافي ووعي الحاجة للتغيير والشروع ببناء النظام الجديد، كل ما استطاعت امكاناتنا الفعلية من تقديمه هي الخلطة التي اشرنا اليها، وهي تعبر عن بؤس الحال والاحوال الذي خلفته لنا اربعة عقود من الخداع والارهاب والانتهاكات الواسعة لحقوق وكرامة البشر، وسحق كل ما يمت بصلة لقوة وحيوية العراقيين أي التعددية والتنوع السياسي والثقافي. والخديعة المستجدة تضع نصب عينيها مهمة القفز على هذه الحقيقة، عبر الضخ الواسع والممنهج للوعي الزائف والمميت، والذي يتيح لهم استغفال الناس وايهامهم باجتراح المعجزات من دون الالتفات لشروط ومتطلبات ترميم واصلاح؛ كل ذلك الخراب الذي خلفته حقب القشمرة ومسخ البشر والتنازلات المهينة والاذلال الطويل…

جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة