بين الشعر والخطابة

-1-
حين يكون الشعرُ مجردَ تجميعٍ للكلمات ورصفها مع الحفاظ على الوزن والقافية ، لا يستطيع أنْ ينفذ الى القلوب .. ولن يحرك أوتارها يقيناً ، لانه جسدٌ بلا روح .. فكيف يتسم بالحياة والفاعلية في التأثير ؟
وكذلك هي الخُطَبُ فمتى ما كانت مجردَ سرد للكلمات بعيدٍعن الإثارة والتحريك، فقدت القدرة على ان تحظى بالاهتمام والتقدير .
-2-
ويشترك الشعر والخطابة في انهما يفتقران الى الموهبة الفطرية والاستعدادات الكامنة في النفس عبر وجود البذورالتي بمقدورها أنْ تنمو وتزهر متى ما اتيحت لها الفرص المناسبة ..
انّ حفظ القصائد الكثيرة والالمام بدقائق (علم العروض) لا يجعلانك شاعراً متميزا مالم تكن ذا قريحة واعدة ..
كما أنّ مجرد الوقوف أمام الجماهير والتحدث اليهم على استحياء لا يجعلك معدوداً في الخطباء مالم تكن عارفاً بفنون الخطابة وناهضاً بما تقتضيه …
-3-
والملاحظ :
انّ الخطباء اللامعين أقلُ عدداً من الشعراء المُجيدين ، ليس في المرحلة الراهنة فحسب، بل في مختلف مراحل التاريخ،فما أكثر الشعراء وأقلَّ الخطباء ..!!
-4-
ان حاجز الخوف من الناس يُصيب الكثيرين بالاحباط .. ويؤدي بهم الى الحصر وعدم القدرة على مواصلة الكلام .
ومن أهم الطرق لكسر حاجز الخوف من الجمهور هو تدريب أولادنا – منذ نعومة أظفارهم – على حفظ الأشعار وانشادها بمراى وبمسمع من الآخرين، وبهذا ينشأُ الصبي وهو لا يخاف من الجمهور ، وبالتالي فلن يرهبه الوقوف أمام الناس اذا أراد مخاطبتهم، على أنَّ الخطبة المؤثرة تحتاج الى عناصر شتى :
منها :
غزارة المعلومات – والمعطيات .. موّشاة بالشواهد الأدبية والتاريخية مع البراعة في العرض والسرد والاثارة والضرب على الأوتار الحساسة طبقا لما تقتضيه المناسبة ..
ان المستمع بحاجة الى الاستماع الى شيء جديد يضاف لما اختزَنَتْهُ ذاكرتُه فالتكرار والاعادة – يملهما الناس – كما هو معلوم .
وفي إطار التجديد والابتكار والنجاح في الاقناع يتفاوت الخطباء اللامعون.
وتلك هي ميادين التنافس الحقيقية بينهم .
-5-
واذا كان الكلاُم صفةَ المتكلم ، فان الخطابة تكشف الخطيب على حقيقته ، وتبيّن بكل وضوح مقدار احاطته بقواعد اللغة، وتكشف عن أفاقه العلمية والثقافية والاجتماعية، وعن حسه الانساني والاجتماعي، فضلاً عما يتمتع به من خصائص اخرى كالفطنة والذكاء والقدرة على الوصول الى أفضل الحلول …
-6-
ان مشكلة ( الحصر ) وهو تعذر الاسترسال في الخطاب –مشكلة قديمة جديدة
وقد جاء في التاريخ ان عبد الله بن عامر وهو والي الامويين على العراق – شكا الى كاتبه زياد بن أبيه الحصر على المنبر فقال :
” أما انك لو سمعتَ كلامَ غيرِكَ في ذلك الموقف استكثرت ما يكون منك
قال :
فكيف أسمع ذلك ؟
قال :
رُحْ الى الجمعة وكُنْ من المقصورة بالقرب حتى اسمعك خطب الناس
فلما كان يوم الجمعة قال زياد :
انّ الامير سهر البارحة فليس يمكنه الخروج الى الصلاة .
والتفت الى رجل من سادة بني ( تميم ) فقال له :
ثم فاخطبْ ، وصلِّ بالناس – فلما أوفى على ذروة المنبر قال :
الحمد لله الذي خلق السموات والارض في ستة أشهر .
قالوا :
قبحك الله ، جل ثناؤه يقول : في ستة أيام ، وتقول في ستة أشهر، فنزل والتفت الى شريف ( لِربيعة ) فقال له :
قُمْ فاخُطبْ
فلما ارتقى المنبر ضرب بطرفه فوقع على جارٍ له كان يخاصمه في حدّ بينهما فقال :
الحمد لله وارتج عليه ..!!
فقال لجاره :
أما بعد فان نزلت اليك يا اصلع لافعلن بك ولأفعلن …
فأنزلوه
فألتفت الى رئيس من رؤساء (الأزد) فقاله له :
انهض فأقم للناس صلاتهم ، فلما تسنم المنبر قال :
الحمد لله ، ولم يدرما يقول بعد ذلك فقال :
ايها الناس :
قد والله هممتُ ان لا أحضر اليوم فقالت لي أمرأتي :
أنشدتك بالله ان تركتَ فضل الصلاة في المسجد يوم الجمعة فأطعتها ، فوقفتُ هذا الموقف الذي ترون ، فاشهدوا جميعا انها طالق “
وهكذا تبين عجز من تناوب على المنبر ،
ثم خرج (عبيد الله بن عامر) فخطب في الناس
وبان تقدمه عليهم ..!!
واذا صحت القضية فهي تؤيد ما قلناه من ان الخطابة ليست في متناول الجميع ..!!
وهكذا هي الآن كما كانت بالأمس
فما أكثر المُتَلَجْلِجين
وما أكثر الفاشلين في هذه الميادين ..

حسين الصدر

مقالات ذات صلة