الأخبار العاجلة

رواية «بكارة» للحبيب السالمي: لم تتغيّر المؤسسات..اللغة أيضاً

محمود عبد الغني

الكلمات في تونس: كلمات ضدَّ أخرى
كلمات خطيرة، لكن الجميع يستسلم لها، أو يسمعها بلامبالاة كاملة، وذلك راجعٌ إلى أن معناها لم يعد واحدًا بالنسبة للجميع. لقد ودّعنا وهم وحدة المعنى بالنسبة للكلمات. لنُصغ إلى هذا الحوار من رواية «بكارة» للروائي التونسي الحبيب السالمي:
«- لا بدَّ أن تقتله..

  • أقتله؟.. أقتل من؟
  • مصطفى.. ابن الكلب..».
    لنُصغ مرّة أخرى:
    «- إذا رفضت أن تقتله أنت.. سأقتله أنا؟
  • إلعني الشيطان..
  • لا بدّ أن يُقتل.. ابن الكلب..
  • القتل حرام..
  • أعرف..
  • إذا كنت تعرفين، فلماذا تقولين هذا الكلام؟».
    هل من المُخلّفات العقلية واللسانية للثورة أن الناس ينطقون كلمات خطيرة دون مبالاة، ودون معرفة معناها الحقيقي؟ هل كلمة «قتل» أصبحت من الألفاظ المهجورة في المجتمعات المستقرّة والراقية؟ إن الثورة، وما ينتج عنها، تبقى تغذي عقول الناس وألسنتهم بكلمات يتشبّثون بها برغم قوّة غموضها ومدى خطورتها.
    لكن ينبغي أن نشير إلى أن استعمال الكلمات، أو طرائق استعمالها، ترسم الخطوط الضرورية لمعرفة صورة المتكلّم، فبين من يقول «أقتله» وبين من يقول «القتل حرام» توجد هوّة سحيقة فاصلة بينهما. كأن الكلمات تقف الواحدة ضدّ الأخرى. رؤيتان للعالم تتصارعان دون هوادة. هكذا يبقى الروائي يعارك الكلمة المتبدّلة، والتي تنطقها الشخصيات حسب موقفها، ورؤيتها للعالم. سيظل يطرح السؤال تِلوَ الآخر عن تغيّر معنى الكلمات، مثلما يتساءل الجميع عن مغزى ما حدث في العالم العربي.
    الملاحظ أن الكلام الذي يصدر عن الشخصيات ليس كلامًا سياسيًا، بل كلام نفسي واجتماعي. وكأن الشخصيات تريد إعادة بناء المجتمع عن طريق كلمات، وأفعال، مخالفة تمامًا للقانون والمعتقدات الدينية. إن الكلمات التي نسمعها تفيض بالعنف، وتفتقد إلى الرونق، برغم أن الروائي جعل شخصياته تتحدّث بعربية فصيحة، لكن الموقف خشن ودارج.
    الثورة نصٌّ غامضٌ،
    الكاتب مترجمٌ خائنٌ
    يقوم الكاتب بفعل الخيانة الجميلة، مثلما يفعل رجال السياسة، حين يريد ترجمة نصّ صعب مكتوب بلغة غامضة هو الثورة. ويعتبر فيكتور هوغو أن ترجمة الكاتب هذه تكون «متسرّعة وغير سليمة ومملوءة بالأخطاء والثغرات وعكس المعنى». الروائي، حسب هوغو، مترجم خائن، سيء السمعة وليس محلّ ثقة، لأن الأحداث مجموعة نصوص غامضة ومتلاحقة.
    هنا تتصارع رؤيتان مختلفتان؛ الأمر بالقتل ورفض القتل لأنه محرّمٌ من الناحية الدينية. اللفظة والرؤية تترنّحان بسبب الترجمة الخائنة للأحداث. لنُصغ إلى مطلع رواية «بكارة»:
    «وإذا لم يتكلّما، فليس لأنهما لا يرغبان في الكلام أو لأن لا شيء لديهما يقولانه هذه المرّة. بالعكس، ثمة أمور كثيرة يمكن الخوض فيها، وأهمّها أخبار الثورة التي امتدّت حتى إلى ذلك الدوار النائي. لم يتكلّما، لأن ما تناهى إلى سمعيهما البارحة أوقعهما في حالة من الذهول؛
    «اللفظة والرؤية تترنّحان بسبب الترجمة الخائنة للأحداث»
    ويبدو لهما مثل ذلك الوقت المبكّر، وهما قابعان في صمت داخل حقلٍ خالٍ بعيدًا عن بيوت الدوار، أخطر وأسوأ ما يمكن أن يحدث لصداقتهما الطويلة».
    ما الذي حدث بالضبط وأصبح أكبر من الثورة؟ لنصغ لما يقوله السارد:
    «ما سمعاه أن رجالا في الحانوت، الذي يتردّد عليه الكثير من سُكّان الدوّار والدّواوير المجاورة، يزعمون أن مصطفى الذي اختاره البشير «وزيرًا» له ليلة الدخلة على زوجته مبروكة هو الذي فعل لها ما يفعله العريس لعروسه في هذه الليلة».
    إننا لشدّة ما نندهش للعادات الغريبة التي يبتدعها البدو لتعويض كل أشكال عجزهم عن الفعل في بعض اللحظات الحاسمة، فإنهم يتصرّفون بشكل عاصف في لحظات أخرى. وإننا حين نقترب من حياتهم الشخصية، نكتشف من العيوب ما لا يُطاق. إن وجود مصطفى (العاجز) يحتويه البشير (الفاعل). القوّة تحتوي الضعف. القوة والضعف يجلسان جنب بعض والكلمات تترنّح بينهما. الأضداد تتلامس: قوة/ضعف، ثورة عظيمة/ حدث تافه، وطن/ دوّار نائي. وبين الأضداد تبحث الكلمات عن مكان فلا تجده، فيسود الصمت.
    منذ البداية تفتتح رواية «بكارة» خطابها بغياب الكلام، أو بلغة فقدت معانيها ويقين قولها. ينضج القول، وتفوح من الكلمات رائحة التفكير المأزوم، فيبدأ مصطفى يشكّ في أن البشير صديقه هو من أفشى السرّ وفضح الأمر، الشيء الذي جعل هذا السرّ هدية ثمينة لأعداء البشير في القرية. فبدأت الفضيحة تدمّر الجميع: البشير، مبروكة، الأهل والأقارب. فتنتهي منّوبية، والدة مبروكة، إلى ضرورة قتل مصطفى الذي يُشيع «الأكاذيب» عن البشير.
    أصبح القتل كلمة غامضة، والدليل هو أن حامد، زوج منّوبية ووالد مبروكة، لم يستسغها منذ سماعها. إن زمن الثورات هو زمن تغيّر معاني الألفاظ، أو على الأقلّ زمن التلفّظ بها في غير موقعها. يصبح النّاس أكثر قُدرة على التلاعب بالكلمات. لقد كان إدموند بورك على حقّ حين قال إن قرن الثورات هو قرن علماء الألفاظ. كيف الخروج من هذه الاضطرابات الدلالية التي أصبحت هي جوهر عمليات التلفّظ؟ إن المخرج الوحيد هو وعي المجتمع بأن اللغات تحتاج في لحظات الاضطراب إلى ألفاظ جديدة للتعبير عن وضع الناس، أو إلى معان جديدة تُسكَبُ دون نهاية في الألفاظ الموجودة. وهنا لا بد من إحصاء كم من معنى فارغ تمّ إضفاؤه على الكلمات، وكم من تعدّدية في المعاني فرضت نفسها على القول. إن من قاموا بالثورة يعتبرون اللغة مؤسسة ينبغي أن تتغيّر وتثور على نفسها مثل سائر مؤسسات المجتمع الأخرى، وذلك شرطٌ أساسيٌّ لنجاح الثورة. لا بدّ أن تستلم الكلمة الشعبية، الثورية، السلطة من أجل تغيير الرؤية. إن الكلمة الجديدة، ومعها الفعل الجديد، لا بدّ أن تكون مليئة بنوايا الثورة. كأن الكلمة الجديدة والانشغال الجديد، يضاهيان البرنامج السياسي لما بعد الثورة.
    هل تغيرت المؤسسات؟
    هل تغيرت الكلمات؟
    رغم بقاء المؤسسات على حالها في العالم العربي بعد ثورات «الربيع»، بل هناك مؤسسات ازدادت سوءًا عمّا كانت عليه، فإن النّوايا الثورية بقيت مستمرّة. لقد صعد إلى الحكومات رجال كانوا منسيين، أو يزاولون مهنًا في التجارة والأعمال، ومنهم من كان منفيًّا خارج بلده. لكن الحروب الطائفية والعقائدية كانت مستعجلة، فاشتعلت وخلطت الأوراق. وما ينبغي تسجيله هنا هو أن بلدانًا بقيت بعيدة عن الربيع العربي، لكن كاد أن يمسّها ما مسّ بلدان الثورات الربيعية من حيث تغيّر صورة رؤساء الوزراء، والوزراء، ورؤساء البرلمانات، وقيادات الأحزاب. فبدأت تسود لغة خطاب مختلفة تمامًا عن بلاغة المنصّة القديمة. تغيّرت الكلمات واختفت البلاغة التقليدية وصعدت الكلمة الشعبية كعلامة على تغيّر في الرُّؤية. لاحظ الناس، خصوصًا فئة المثقفين، ظهور لغة جديدة على شاشات التلفزيون الذي يبدأ في نقل الحوارات وأشغال جلسات البرلمان. لغة جديدة تسود وتعصف بالبلاغة القديمة، التي نعتها هؤلاء الفاعلون الجدد بالتقليد. اللغة الجديدة تقبض على التاريخ، وترسم الواقع، وتصنع حقيقة جديدة.
    ولأن الرواية جنس «حواري»، حسب باختين، و»مساحة ديمقراطية»، حسب ف. دوفور، فإنها انخرطت بكل عفوية في تقديم الصورة الجديدة للّغة، والأفكار، كما يعبّر بها الناس، وهم في جهلٍ تامٍّ لما يصدر عن ألسنتهم. لنستشهد برواية «بكارة»، مرّة أخرى، حيث إطلاق الكلمة على غير موضوعها:
    «أغلب النساء والأطفال والكثير من الرجال يسمّونها (أي محبوبة) «السوداء»، وأحيانًا «العبدة»، بالرّغم من أنها ليست سوداء ولا عبدة. كل ما في الأمر هو أن بشرتها ليست بيضاء كبشرة بقيَّة النساء، وإن وجهها يشبه في بعض قسماته وجوه السود. ويحتقرون أصلها، رغم أن لا أحد يعرف بالضبط من أين تحدّرت عائلتها…».
    إن في تسمية محبوبة بـ»العبدة» و»السوداء» الكثير من الزيف، لكن فيها أيضا الكثير من الظلال. الكلمات غامضة لكنها محمّلة بظلال التاريخ الشخصي. إنها تُسمّى كذلك لأن أصل
    «جمال المرأة بؤرة خلاف بين الناس. هكذا يرى الهامش الهش جمال المرأة ووسامة الرجل»
    عائلتها من صحراء «دوز»:
    «… هناك من يزعم أنها تنتمي إلى قبيلة مغمورة نزحت منذ أعوام طويلة من صحراء دوز، وأن كلّ أفرادها كانوا في الأصل سُودًا كالفحم، وأن لون جلدهم تغيّر بعد أن عاشروا البيض وتزوّجوا منهم». إن التسمية تُطرح في ضوء حقيقتين، الأولى ماضية، وهي الأقوى، والثانية حاضرة، وهي الأضعف. الحقيقة القديمة أبدية، فهي ظلّ الكلمات الملازم لها. الإنسان على الحقيقة بماضيها وليس بحاضرها، بظلّها وليس بضوئها الساطع. وإن من شأن ذلك أن يجعل القارئ يشكّ في حقيقة الشيء الماثل أمامه.
    نزيف الحقيقة أمام
    الأفكار الجاهزة
    الحقيقة تنزف أمام الكلمات المغلوطة. يحتار بشير في وصف زوجته، هل هي جميلة أو قبيحة؟:
    «وعلى أي حالٍ، فإنه لا يجدها بشعة كما يردّد أغلب الناس، خصوصًا النساء. بل يمكن القول إنها تبدو له أقرب إلى الجمال منها إلى القبح. بالطبع، لا يجوز أن نقارنها بأية امرأة بيضاء، لأنه لا شيء في المرأة أجمل من بياض جلدها خصوصًا إن كانت سمينة. وكلمّا كانت بيضاء وسمينة مثل مبروكة كانت أجمل. لكنّ محبوبة لها جمال من نوع يختلف عن جمال المرأة البيضاء. جمال غير مألوف. يحسّ به ويراه. لكن لا يدري كيف يصفه».
    يصف السارد مصطفى وفق وجهة النظر نفسها التي وصف بها محبوبة:
    «(…) كان آنذاك معجبًا بذاته ويعتبر نفسه وسيمًا، رغم أنه هو أيضًا ليس أبيض تمامًا. كان يعتقد أنه يستحقُّ امرأة جميلة. لكنّ كلّ البنات اللّاتي خطبهنّ رفضنه، ليس بسبب لون جلده فحسب، وإنّما بسبب فقره أيضًا».
    الحقيقة تنزف نزيفًا مزدوجًا أمام الأفكار الجاهزة. جمال المرأة بؤرة خلاف بين الناس. هكذا يرى الهامش الهش جمال المرأة ووسامة الرجل. لقد وجدت الرواية نفسها في مواجهة البديهيات التي تنشّط قناعات الناس، وتجعلهم يوقّعون اختياراتهم على ضوئها. ووجد الروائي أن مهمّته الكُبرى هي طرح هذه الأفكار في سيّاق ما بعد الثورة ليسمع الرنّة التي ستصدر عنها، وليختبر بها حياة المجتمع والأفكار العامة على حدٍّ سواء. وهذا ما أطلق عليه الروائي الفرنسي إميل زولا «الرواية الاختبارية». وهي سردٌ يقوم بوظيفة معرفة حدود الفكرة، وانزلاق معناها داخل أذهان الناس وعلى ألسنتهم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة