الأخبار العاجلة

في الدفاع عن بنك الاحتياطي الفيدرالي

ستيفن س. روتش

نيوهافين

لم أكن من المعجبين بسياسات بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لسنوات عدة. فعلى الرغم من شغفي الشخصي العظيم بأول رب عمل عملت لحسابه، وتقديري لكل ما اكتسبته من خلال عملي هناك من تدريب مهني وتحفيز فِكري، ضَل بنك الاحتياطي الفيدرالي الطريق. فمن فقاعة إلى فقاعة، ومن أزمة إلى ازمة أخرى، كانت هناك أسباب مقنعة على نحو متزايد تدعو إلى التساؤل بشأن إدارة الاحتياطي الفيدرالي للاقتصاد الأميركي.
ويبدو أن هذا بدأ يتغير الآن. فعلى الرغم من صيحات الاحتجاج من جانب المشاركين في السوق والشائعات بشأن تهديدات غير دستورية من جانب رئيس الولايات المتحدة المختل، ينبغي لنا أن نهنئ الاحتياطي الفيدرالي على التزامه الراسخ بما يسمى «تطبيع» السياسات. وهو الآن يواجه أخيرا الوحش الذي أطلقه رئيسه السابق ألان جرينسبان قبل أكثر من ثلاثين عاما: النهج الذي اتبعه جرينسبان في التعامل مع السياسة النقدية والذي قدم دعما غير متماثل للأسواق المالية من خلال تخفيف قيود السياسة بنحو كبير خلال فترات الضيق في السوق مع التغاضي عن الفقاعات خلال فترات الصعود.
منذ انهيار سوق الأسهم في التاسع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 1987، تعلم المستثمرون الاعتماد على دعم بنك الاحتياطي الفيدرالي الثابت، والذي جرى تبريره على اعتبار أنه متسق مع ما يُعَد على نطاق واسع الأساس لتفويض البنك المزدوج: استقرار الأسعار. فمع بلوغ متوسط معدل التضخم، إذا قيس على مؤشر أسعار المستهلك، نحو 2.1% في السنوات العشرين التي انتهت في عام 2017، لم يعد هناك فعليا ما يقيد بنك الاحتياطي الفيدرالي ويمنعه من استهداف النمو.
وهكذا فَعَل. لكن المشكلة في مناورة النمو، أنها مبنية على رمال الاقتصاد الأميركي المتحركة، الاقتصاد الذي يعتمد بشكل متزايد على الأصول والذي بات عُرضة للفقاعات والأزمات.
الواقع أن جرينسبان، تلميذ آين راند، الذي يركز على السوق، هو الذي نصب هذا الفخ. فمن خلال التماس الراحة في نجاحاته التكتيكية في التصدي لانهيار 1987، قرر رفع الرهان في أواخر تسعينيات القرن العشرين، زاعما أن فقاعة الدوت كوم كانت تعكس انموذجا جديدا للنمو القائم على الإنتاجية في الولايات المتحدة. ثم في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ارتكب خطأ أشد خطورة، بإصراره على أن فقاعة الإسكان التي تغذت على الائتمان، والتي تضخمت بفِعل منتجات مالية «مبتكرة»، لم تكن تشكل تهديدا لأساسيات الاقتصاد الأميركي. ومع تسبب كل خطأ جديد في تعقيد ومضاعفة الخطأ السابق، اتخذ الاقتصاد المعتمد على الأصول حياة خاصة.
مع انتقال قيادة الاحتياطي الفيدرالي إلى بن برنانكي في عام 2006، دخلت السياسة النقدية الداعمة للسوق عصرا جديدا أكثر شجاعة. وأشعل انفجار فقاعة الإسكان في عهد جرينسبان شرارة أزمة مالية وركود غير مسبوق منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وبوصفه خبيرا أكاديميا في أزمة الكساد الأعظم في الثلاثينيات، زعم برنانكي أن الاحتياطي الفيدرالي كان المسؤول عن الانهيار آنذاك. وبصفته رئيسا لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، سارع إلى اختبار نظرياته في حين كانت أميركا تقف على شفا هاوية أخرى. وللأسف، لم يخل الأمر من تعقيد بالغ الخطورة: فبسبب انخفاض أسعار الفائدة بالفعل، لم يجد الاحتياطي الفيدرالي الحيز الكافي لتخفيف السياسة النقدية باستعمال أدوات تقليدية. وعلى هذا فقد اضطر إلى اختراع أداة جديدة: ضخ السيولة من ميزانيته العمومية من خلال قدر غير مسبوق من المشتريات من الأصول.
وكانت التجربة، المعروفة الآن ببرنامج التيسير الكمي، ناجحة ــ أو هكذا تصورنا. لكن الاحتياطي الفيدرالي اعتقد مخطئا أن ما نجح في أسواق كانت تمر بضائقة قادر أيضا على إحداث قدر كبير من التعافي الحقيقي في الاقتصاد الحقيقي. فرفع الاحتياطي الفيدرالي الرهان عن طريق الدفع بجولات أخرى من التيسير الكمي، لكن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ظل عالقا عند مستوى 2% تقريبا من عام 2010 إلى عام 2017 ــ نصف المعدل المعتاد في فترات التعافي السابقة. علاوة على ذلك، كما فعل عندما انفجرت فقاعة الدوت كوم في عام 2000، أبقى الاحتياطي الفيدرالي على تساهل السياسة النقدية الشديد خلال فترة التوسع في مرحلة ما بعد الأزمة. وفي الحالتين، عندما بدأ الاحتياطي الفيدرالي في تطبيع السياسات أخيرا، فعل ذلك ببطء، واستمر بالتالي في تغذية فقاعة السوق.
وهنا أيضا ترجع أصول تكتيكات الاحتياطي الفيدرالي إلى أعمال برنانكي الأكاديمية. فحسب زعمه هو وزميله مارك جيرتلر من جامعة نيويورك، في حين كانت السياسة النقدية أداة أكثر فظاظة من أن تمنع نشوء فقاعات الأصول، فإن أدوات الاحتياطي الفيدرالي كانت أكثر فعالية في تنظيف الفوضى بعد انفجار الفقاعات. ويالها من فوضى! وبصفته محافظا لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في العقد الأول من القرن الحالي، أكَّد برنانكي أن هذا النهج كان ضروريا لتجنب مزالق الانكماش على غرار ما حدث في اليابان. واتفق جرينسبان في الرأي مع خطاب برنانكي الشهير في عام 2004 بعنوان «مهمة منجزة». وعندما تولى رئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في أواخر العقد الأول من قرننا هذا، ضاعَف برنانكي الجهود في تنفيذ هذه الاستراتيجية.
من منظور الأسواق المالية، كانت تلك الحال هي السعادة القصوى. فقد مكن الاحتياطي الفيدرالي المستثمرين من إعطاء ظهورهم للجانب السلبي، ومع السيطرة على التضخم، لن يكلف الاحتياطي الفيدرالي نفسه عناء تقييد الجانب الإيجابي. وأصبحت «تأثيرات الثروة» الناتجة عن زيادة قيمة الأصول مصدرا مهما للنمو في الاقتصاد الحقيقي. فلم يقتصر الأمر على الدفعة المعنوية المصاحبة للشعور باكتساب المزيد من الثراء، بل هناك أيضا تحقيق المكاسب الرأسمالية من فقاعات الأسهم واستخلاص الثروة بشكل مباشر من فقاعة الإسكان عبر وفرة من قروض الرهن العقاري الثانوية وقروض أسهم المساكن. وبطبيعة الحال، في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، أنتج انحراف المال السهل من قِبَل الاحتياطي الفيدرالي فقاعة ائتمانية هائلة، والتي دعمت عملية تسييل فورة سوق الإسكان القائمة على الاستدانة.
وهكذا سارت الأحوال، من فقاعة إلى الأخرى. وكلما زاد اعتماد الاقتصاد الحقيقي على اقتصاد الأصول، كلما تعاظمت الصعوبات التي يواجهها الاحتياطي الفيدرالي في كسر السلسلة المتصلة. إلى الآن. وعلى نحو متوقع، أحدث انكسار سوق الأسهم الحالي قدرا كبيرا من الهلع من أن يتجرأ الاحتياطي الفيدرالي على الاستمرار في حملة التطبيع الحالية. لكن هذا الانتقاد لا أساس له من الصحة. فلن يعيد الاحتياطي الفيدرالي ببساطة تجديد ترسانته استعدادا للركود التالي. والمغزى الضمني من التطبيع هو أن تحدد الأساسيات الاقتصادية، وليس السياسة النقدية الداعمة للسوق، قيم الأصول في نهاية المطاف.
والأمل الآن، أن يتخلص الاحتياطي الفيدرالي أخيرا من مخاطر النمو المعتمد على الأصول والسلسلة الطويلة من الفقاعات المالية التي ألحقت بالاقتصاد الأميركي أضرارا عظيمة على مدار السنوات العشرين الأخيرة. وكما تحلى بول فولكر بالشجاعة المطلوبة للتصدي للتضخم العظيم، فربما يذكر التاريخ جيروم بأول بوصفه الرجل الذي اتخذ موقفا شجاعا بنفس القدر ضد المخاطر الخادعة المصاحبة لاقتصاد الأصول. وإنه لأمر رائع أن يعود المرء إلى الإعجاب ببنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مرة أخرى.
ترجمة: إبراهيم محمد علي
ستفن س. روتش عضو هيئة التدريس في جامعة ييل والرئيس السابق لمؤسسة مورجان ستانلي في آسيا. وهو مؤلف كتاب «علاقة غير متوازنة: الاعتماد المتبادل بين أميركا والصين».

بروجيكت سنديكيت
www.project-syndicate.org

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة