الأخبار العاجلة

محمود شريح في «الفردوس المفقود»: كأننا كنا معاً

صقر أبو فخر

السيرة الذاتية كتابة استعادية، أو فن استرجاع الماضي كما عاشه صاحب السيرة. غير أن من غير الممكن استعادة الماضي كما حدث فعلاً، فالذاكرة تنخلُ الوقائع وتعيد بناءها كما ترغب؛ تهدم أشياء وتبني أشياء، وتكتم ما تريد وتبوح بما تريد. والسيرة ضرب من ضروب الفن القصصي، أي أنها أدب. والخيال في الأدب، خصوصاً في الأدب الرومانسي، عنصر طبيعي، لكنه في السيرة يغدو تزويراً . والصديق محمود شريح الذي كثيراً ما شُغف بالرومانسية واشتغل في الأدب، ولا سيما بالخيال الشعري وصوره، حاد عن الخيال في سيرته، وتشبث بالواقعية. وكان محمود شريح نشر منذ 22 سنة سيرة جزئية له بعنوان «سنواني الأولى العشر» (باريس: دار الزوبعة، 1996)، ولا أدري، على وجه اليقين، هل هناك حقاً دار نشر بهذا الاسم. ومهما يكن الأمر، ها هو اليوم ينشر ذكرياته في سيرة أوسع، وقد وَسَمها بعنوان «الفردوس المفقود: بيروت كما عرفتها 1958-1975، بيروت: دار الفرات، 2018).
كنتُ في أثناء قراءة هذه السيرة كأنني أقرأ نفسي وتفصيلات أيامي، أو كأنني أشاهد شريط حياتي. فأنا ومحمود شريح رفيقان وصديقان منذ نحو أربعين عاماً. وتجربتنا في الحياة والسياسة والفكر والعيش متشابهتان جداً، بل متطابقتان في بعض الحقب؛ فقد تزاملنا في الموسوعة الفلسطينية برفقة أستاذنا أنيس صايغ، وعملنا في كار الكتابة، وتشاركنا الكتابة في «ملحق فلسطين» الذي كنتُ مسؤولاً عن إصداره في جريدة «السفير» اللبنانية. وما زلنا نمتهن هذه المهنة المتعبة واللذيذة، مع أن محموداً انصرف منذ زمن طويل إلى التدريس الجامعي. وفوق ذلك، فإن أصدقاء محمود ورفاقه هم، في معظمهم، أصدقائي ورفاقي؛ بعضهم عرّفني هو إليهم، وبعضهم عرفتهم أنا إليه. وهكذا صرنا، بحكم التجارب المتشابكة، وقد باتت خطاه تتبع خطاي، وتحذو خطواتي حذو خطواته كأننا نأخذ برقاب بعضنا في النضال الوطني الفلسطيني، وفي الإعجاب بأنطوان سعادة، وفي الصداقة الغامرة لهشام شرابي ويوسف سلامة وأدونيس، والتأثر بخليل حاوي ومحمود درويش. غير أنني، خلافاً له، غير مغرم بجبران خليل جبران، بل بميخائيل نعيمة.
سيرة الشقاء والمعرفة

أكد لي محمود شريح في سيرته الجديدة أننا نشأنا في أحوال متشابهة من حيث الوسط الاجتماعي (حتى لو كان مكان السكن مختلفاً)، ومن حيث طريقة تربية الأهل بالزجر والتخويف وحكايا الجن والعفاريت والأفاعي ونيران جهنم والسحر والرقى ورجال الدين. ويلوح لي أن كل ما عشناه لاحقاً صرفناه في التغلب على الخوف وعلى الألم، ولم تكن اللذات إلا دفعاً للألم لا تحقيقاً للذائذ الصافية. ويروي محمود شريح كيف راح يتعرف إلى معالم بيروت مع والدته (أنا مع والدي) حين يركب الباص من برج البراجنة إلى سوق المدينة لشراء اللحم والخضراوات والملابس والكتب المدرسية. من ناحيتي لم يختلف الأمر إلا في بعض التفصيلات، فكنت أذهب مع والدي بالبوسطة لشراء الثياب مرتين في السنة: عند افتتاح المدارس، فنشتري بعض الكتب المستعملة أو نتبادلها مع آخرين في باحة بناية العازارية، وعشية العيد الكبير أي عيد الأضحى. أما في بقية أيام السنة فكنا نختلف إلى ساحة البرج لشرب العصير من «عصير زين» أو لشراء الفلافل من مطعم المصري الواقع تحت مقهى اللاروندا، أو اللحم بعجين من شارع المعرض. ولاحقاً، حين رحنا نغزو المدينة منفردين، تفلتنا من دائرة الأسواق التجارية التقليدية، لنكتشف خلف دائرة التحري في ساحة البرج عالماً من اللذة، لكننا لم نلجه إلا بصرياً. ثم اتسع نطاق أرجلنا إلى باب ادريس وسوق الطويلة وبركة العنتبلي، ولاحقاً إلى رأس بيروت.
دخل التلفزيون إلى منزله العائلي بعد عام 1960. أما أنا فقد دخل المذياع إلى منزلنا في أوائل عام 1962 مع انقلاب الحزب السوري القومي الاجتماعي، وإعدام خمسة من أفراد عائلتي بينهم ثلاثة أشقاء. وفي خضم تلك الحياة، كانت القراءة ملاذنا الذي يقينا الوحدة والعزلة. والقراءة كانت، كما اكتشفت بعد زمن طويل، استلابية تماماً، لأنها تحولت بديلاً من العيش المترع حيث لا يمكننا أن نجاري رفاقنا في سهر الليالي وارتياد المطاعم والمسابح وأمكنة اللهو إلا لماماً. وأنا مدين للمزبلة، في تحويل أيامي إلى القراءة؛ ففي إحدى المزابل المدرسية النظيفة عثرت مصادفة على كتاب «رحلات السندباد البحري» لكامل كيلاني، وكنتُ في الصف الرابع الابتدائي. ومنذ ذلك الوقت لم يسقط الكتاب من يميني.
خضع الفتى محمود شريح لإكراهات الحياة، فراح يستكشف مدينة بيروت من دون أن يعرِّج على «السوق العمومية» التي اختبر معظم أبناء جيلنا فحولتهم في ذلك المكان، حين كان من المحال أن يكتشف اليافعون لذتهم الجسدية الهادرة في أزقة المخيمات أو في شوارع الأحياء الأخرى.
التغيير الجذري لمحمود شريح
يقول محمود شريح: «لم أكن أعرف بيروت رغم أنها كانت على مسافة بضعة كيلومترات من برج البراجنة» (ص89). لكنه، فيما بعد، انتقل إلى رأس بيروت، وكان ذلك في سنة 1967. وفي تلك السنة انقلبت حياة محمود جذرياً بانتقاله إلى عالم حديث بأكمله. وفي تلك السنة نفسها انقلب العالم العربي برمته جراء هزيمة حزيران/يونيو 1967 وبدأ عصر الكفاح الفلسطيني المسلح في طوره الثاني(الطور الأول مع انطلاقة حركة فتح في 1/1/1965). وهكذا، من الرثاثة في أحياء الفقر والركود، إلى الحداثة في رأس بيروت مرة واحدة. وفي هذا المكان الجديد تدور وقائع سيرة محمود شريح ابتداء من دراسته في الانترناشيونال كولدج حتى تخرجه في الجامعة الأميركية، وما حفلت به تلك الفترة من نضال طالبي وسياسي، إلى إقامة علاقات غرامية شتى. وهنا يظهر محمود شريح كريماً في تذكر الأصدقاء، خصوصاً الفتيات منهم، لكنه مقتصد جداً في البوح والاعتراف، وبخيل في الحديث عن أمور الغرام والجنس. ومع ذلك يفصح عن أن أول علاقة حسية له كانت في سنة 1980، أي في الثامنة والعشرين، تماماً مثل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري الذي يورد في مذكراته انه لم يعرف امرأة قط قبل الثامنة والعشرين، مع أنه كتب، وهو في الخامسة والعشرين، قصيدة لاهبة بعنوان «جربيني» يستعرض فيها فحولة متخيلة. أَليس أعذب الشعر أكذبه؟
خروم في السرد
لا يتوقع الواحد منا أن يجد في هذه السيرة الجميلة كل شيء، وهذا أمر بدهي، مع أن محمود يحتفظ بذاكرة عجيبة لا تنسى أحداً من أصدقائه الذين يعرف تواريخ ميلادهم وأماكن ولادتهم ومتى تزوجوا، وما كانت مصائرهم. ومع ذلك فلم يأتِ على ذكر احتلال الطلاب لمباني الجامعة الأميركية في بيروت في سنة 1974، ولم يلتفت قبل ذلك إلى هجوم الجيش اللبناني على الفدائيين في أيار/مايو 1973، ولم يذكر أدونيس ولا حتى مرة واحدة، مع أنه ذكر مجلة «مواقف» مرات. أَيوفر محمود شريح ذلك إلى شوط ثالث من ذكرياته ربما سيصدر في ما بعد؟ مهما يكن الأمر، فالوقائع تبدو أحياناً في هذه السيرة كالبرقيات؛ فلا يخبرنا ماذا حلّ مثلاً بمايا ثابت صديقته (تزوجت صديقه وصديقي لاحقاً مايكل سكوت)، وماذا حل برفيقته هيلدا رفقة ابنة شقيق الشاعر السوري المعروف فؤاد رفقة (تزوجت صديقه وصديقي أيضاً مهيب عيتاني)، وماذا حل بازدهار قبلاوي التي أُعدم زوجها محمد راغب قبلاوي في أثناء انقلاب الحزب السوري القومي الاجتماعي في سنة 1962 (تزوجت شاباً أصغر منها، وصارت ابنتها سامية روائية لها روايتان: «حليب التين» و «خلسة في كوبنهاغن»).
يروي محمود شريح كيف كان الناس في برج البراجنة يخرجون ليلة خسوف القمر وهم يضربون على الصفائح منشدين: «ياحوت أعدْ إلينا قمرنا». وَلَو يا محمود! ما ضرك لو نقلت الأهزوجية كما هي بالعامية، أي «دشِّر قمرنا يا حوت».وكلمة «دشِّر» لا تعني أَعدْ، بل أُترك. ويروي أيضاً أنه سمع من أستاذه وليد الحاج هتافاً كان يردده هو: «من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر لبيك عبد الناصر». وأسمح لنفسي هنا أن أذكّرهُ بأن أصل هذا الهتاف هو نشيد للشاعر السوري الكبير سليمان العيسى لحنه محمد فليفل، ومن بين أبياته ما يلي:

تفجري يا أرضَ اللهبْ
واشرقي يا أمةَ العربْ
من المحيطِ الهادرْ
إلى الخليجِ الثائرْ

لبيك عبدُ الناصرْ

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة