أمشِي لوجهَةٍ غامضَةٍ

سمير درويش

1-
سأقذِفُ زجاجَ النوافِذِ بالحَصَى
وأُمْسِكُ المارَّةَ مِنْ خِنَاقِهِمْ
آناءَ الليلِ
لأعدِّدَ المنافعَ الكثيرةَ للجنونِ
وللورُودِ الإلكترونيَّةِ التِي تليِّنُ الحجرَ

سأَسُبُّ الظروفَ التِي تعرفِينَهَا
والكونَ الذي ينحازُ للبُلَداءِ وضبَّاطِ الجيشِ
حتَّى يخرُجَ أبناؤُكِ للشُّرْفَةِ
يشيرُونَ نحوِي ويهمِسُونَ:
مَنْ سيَجْبُرُ كسورَ الليلِ.. الآنْ!
2-
أكوابُ القهوةِ المُتَتَالية فاشلةٌ، صدِّقِينِي
والشرفاتُ التِي لا يسيرُ تحتَهَا أحدٌ
والألعابُ الإلكترونيَّةُ
والموسيقَا التِي نسمعُهَا منفرِدِيْنِ
والصُّوَرُ التِي لا تتحرَّكُ مِنْ تلقائِهَا.

3
العيونُ التِي تمشِي علَى شاطئِ النيلِ
تعرفُ أنَّنِي أتفادَى الأوراقَ الذابلةَ
التِي سقطَتْ من تلقائِهَا،
كيْ لا تقولَ فتاةٌ لصاحبتِهَا:
«يدهسُ الأرواحَ
كأنَّمَا يخرِقَ زورقًا واهنًا»

لهَذَا..
سأجلِسُ فِي ظلِّ أشجارِ اللهِ
أحدِّثُهُ عنِ الهواجِسِ التِي تملأُ المَمْشَي
والعيونِ التِي تفتحُ أبوابَ الحزْنِ
ولا تغلِقُهَا أبدًا
4-
يمشِي الضجيجُ معِي فِي شوارعَ عشوائيَّةٍ
قُولِي للهِ إنَّنِي أتعمَّدُ أنْ يُرافِقَنِي
لأعرفَ أنَّنِي كائنٌ طبيعيٌّ
يستطيعُ الخروجَ منْ شاشةِ الحَاسُوبِ
ويتمشَّى فِي الشوارِع، هكذَا..
بفرحٍ طفوليّ!

العباءاتُ التِي تغطِّي أجسادًا خاملةً
تملأُ الأفْقَ
كالعطورِ الرخيصةِ، والترابِ
والألوانِ السَّاخِنَةِ، وضبَّاطِ الجيْشِ
لكنَّنِي أمشِي لوجهَةٍ غامضَةٍ
لمْ يكتُبْهَا اللهُ فِي لوحِهِ!
5-
هاتانِ الرَّبْوَتَانِ الدائريَّتَانِ كالشمسِ
(دعْنِي أستخدمُ تشبيهًا مباشرًا)
بدايةُ الخروجِ مِنَ الذاتِ
بدايةُ نقشِ القصيدةِ علَى جدرانِ الشوارِعِ
بدايةُ نقشِ القصيدةِ بتفانٍ أخَّاذٍ
علَى عَتَبَةٍ تأخذُنِي لنهايةِ العقدِ السَّادِسِ
وكأنَّنِي أُولَدُ شيطانًا عفويًّا!

الدوائرُ البيضاءُ تجعلُ البداياتِ ناعمةً
وتجعلُ الوجوه التِي أقابِلُهَا تتمَاهَى
فِي شارعِ «سعدِ زغلولٍ»
وعلَى كورنيشِ النِّيلِ
وفِي السوقِ الشعبيِّ الكبيرِ
وتجعلُ الدَّمَ يندفِعُ فِي عروقِي
كحصانٍ أهوجْ!
6-
أصواتُ الأطفالِ لا تجرحُ السكونَ الذِي يلفُّنِي
السكونُ الذِي يمنحُنِي فرصةً لأتخيَّلَنِي:
راقصَ باليهٍ
عازفَ موسيقَا كلاسيكيَّةٍ
ودليلًا يقتفِي آثارَ الأقدامِ
والشهقاتِ التِي كطلقاتٍ قبلَ الوصولِ
مباشرةً!

السكونُ ليسَ منحةً مِنْ ضُبَّاطِ الجيشِ
والورودُ الإلكترونيَّةُ ليستْ صامتةً
بالضرُورَةِ
والقبلاتُ القديمةُ
ليستْ سببًا وحيدًا يجعلُنِي هنَا الآنَ
أكتُبُ شعرًا عَنِ امرأةٍ لا تكتمِلُ
وأسمعُ أهازيجَ الأطفالْ!
7-
القبلاتُ اللاهِثَةُ مُتَجَاورةٌ،
مُتَلاحِقَةٌ،
ترسُمُ أطفالًا سرِّيِّينَ
علَى جدرانِ مكتبةٍ فِي شارعٍ مُنْزَوٍ
وعلَى أطرافِ حديقةٍ صيفيَّةٍ تنامُ على البحرِ
وعلَى ثدييْنِ كبيريْنِ
وصوْتٍ غائرٍ.

القبلاتُ المُتلاحِقَةُ مقدِّمَاتٌ للثورَةِ
وأسئلةٌ لا ترتاحُ علَى مقاعِدِ القَلِقِينَ
وضبَّاطِ الجيْشِ
الذينَ يرسِلُونَ أدعيَةً صامتَةً
وينَامُونَ علَى أسرَّةٍ
لا يملِكُونَ أسرارَهَا.

* شاعر من مصر

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة