الأخبار العاجلة

المخطوفون يقتلون مرتين

لأسباب تطرقنا اليها مراراً وتكراراً، نجحت فلول عصابات داعش الإجرامية من إدارة ملف المخطوفين على طريق (ديالى- كركوك) بشكل ألحق الضرر بقضية الحرب التي يخوضها العراقيون ضد الإرهاب. ومن يتابع تداعيات ذلك الحدث المأساوي، وتجلياته إعلامياً، سيكتشف حجم المكر والدهاء الذي تتمتع به ورش داعش الإعلامية والمنابر المتجحفلة معهم، في صناعة وإدارة مراحل تلك الجريمة البشعة. لقد تمكنوا عبر أساليبهم الإعلامية الأشد فتكا من القتل الجسدي، وكما هي غالباً في مثل هذه الأحداث؛ من تحويل موجة الغضب ضد القتلة وحواضنهم الاجتماعية وفلول شبكاتهم وخلاياهم النائمة، الى حيث المعسكر الآخر والذي لم تنقطع جهوده وتضحيات منتسبيه يوما في الحرب ضد عصابات داعش الإجرامية، التي أصبحت أكثر دونية وشراسة بعد الهزائم العسكرية الماحقة التي لحقت بها.
لقد كشف تقرير الطب العدلي عن؛ حقيقة مقتل المخطوفين قبل أكثر من خمسة أيام من لحظة العثور عليهم، أي أنهم كانوا مقتولين لحظة بث داعش لشريط الفيديو. وهذا وحده يطيح بغالبية ذلك الطفح الإعلامي الذي بسط هيمنته على القسم الأعظم من وسائل الإعلام التقليدية والجديدة (مواقع التواصل الاجتماعي) التي تناولت ذلك الحدث، بشكل متسرع وغير مسؤول، عندما سمحوا لخطاب داعش الإجرامي والمتجحفلين معه بدونية وإجرام؛ بامتطائهم والوصول بالتالي الى غاياته الشريرة. لقد نجحوا مرة أخرى بإرباك الأوضاع وضخ المزيد من اللبس والغموض على المشهد المعقد والملتبس أصلاً، وكل ذلك بسبب فشلنا في صناعة إعلام مهني ومسؤول ينهض بمهماته في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها هذا الوطن المنكوب وتجربته الفتية.
إن جبهة الحرب الإعلامية والفكرية والقيمية ضد معسكر الإرهاب والفساد والإجرام، لا تقل أهمية وخطورة عن العمل العسكري والأمني في هذه الحرب المتعددة الجبهات، وهذا ما أكدته هذه المحطة المؤلمة من حوادث القتل والاختطاف. أن نلتفت متأخرين لهذا الخلل البنيوي (الفشل الإعلامي) أفضل من الاستمرار في التستر عليه لدواعي المحاصصة ومتطلباتها، والتي ستغري كل حثالات الأرض لتجريب حظها على تضاريسنا المنكوبة بكل سلالات القتلة واللصوص. مما يحز في القلب أن لا تكتفي قوى الإرهاب من قتل أبنائنا جسدياً فقط، بل تقتلهم عبر تمريرها لخطابها الإعلامي الذي يتمكن غالبا من فتل عنق الأحداث والوقائع الى ما يخطط له من نهايات ونتائج، رغم أنف هذا الجيش العرمرم من “الإعلاميين” الذين يشفطون أعلى الأجور والمخصصات لقاء عمل عجزوا عن النهوض به طوال أكثر من خمسة عشر عاماً من “التغيير”.
بالرغم مما نعرفه جميعاً عن حثالات البشر هؤلاء (فلول داعش) من انحطاط ودونية واستهتار بكل القيم والمواثيق، والذي أكده تقرير الطب العدلي؛ إلا أن آثار الدور الإعلامي السام والمضلل الذي رافق مجريات تلك الحادثة الأليمة، ولا سيما منها توجيه اللوم وأصابع الاتهام الى الحكومة والمؤسسات المعنية، لعدم مساومتها حياة المخطوفين بالداعشيات المسجونات لديها؛ ستبقى كما غالبية الوقائع والأحداث التي جرت وتجري على تضاريس هذا الوطن المنكوب بالضياع والهلوسات والعويل والنحيب. إننا لا نستغرب مثل هذه الإدارة البائسة للحرب الإعلامية ضد أخطر ما يواجهه لا العراق والمنطقة وحسب بل العالم كله من تحديات مصيرية، لأن فهمها المحدود وضيق أفقها ونوع الملاكات التي تعتمدها، لا يتيح لها غير ذلك العجز والفشل…
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة