الأخبار العاجلة

القناعة.. كنز.. أم سلبية!

أحلام يوسف
سقطت قطرة عسل على الأرض فجاءت (نملة صغيرة) وتذوقت العسل
ثم قررت المغادرة، لكن مذاق العسل راق لها، فعادت وأخذت رشفة أخرى، ثم فكرت بالمغادرة مرة أخرى، لكنها شعرت بأنها لم تكتف بما ارتشفت من العسل على حافة القطرة.
وقررت أن (تدخل) في قطرة العسل لتستمتع به أكثر وأكثر.. دخلت النملة في العسل، وأخذت تستمتع به ..لكنها لم تستطع الخروج منه، لقد كُبلت قوائمها والتصقت بالأرض ولم تستطع الحركة، وظلت على هذه الحال إلى أن ماتت.
يقول الحكماء :ما الدنيا إلا قطرة عسل كبيرة، فمن أكتفى بإرتشاف حاجته من عسلها نجا، ومن غرق في بحر عسلها هلك.
هذه القصة توضح للقارئ أهمية القناعة، واهمية ان نكتفي بحاجتنا، لكن كيف ولماذا نجد ان البعض قانعا بما لديه، فيما هناك من لا يقنع بأموال قارون، وكأنه مصاب بمرض النهم، ما العامل المؤثر بشخصية الفرد كي تشكلها بهذا الشكل او ذاك.
الدكتور طارق سويدان يقول ان العرب قديما كانت لديهم مقولة “عز من قنع وذل من طمع” لان القنوع لا يشعر بحاجته الى شيء، ومكتف بما عنده، اما الطماع فهو لا يتوانى عن فعل أي شيء للحصول على ما يريد، حتى وان كان يملك مال قارون، وبأي وسيلة سواء كانت شرعية ام غير شرعية، مقبولة اجتماعيا ام لا.
ويقول الدكتور محمد راتب النابلسي: ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه إلا أن يتزود منهما معاً، فإن الأولى مطية للثانية. القناعة هي نتيجة لإدراكين، حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، نتيجة هذين الإدراكين العميقين تنشأ القناعة.
ما تحدث به النابلسي يجعلنا نفهم ان القناعة لا تعني الاستسلام والقبول بما نحن عليه من دون ان نطمح ونسعى ونحلم بالأفضل، لكن ان لا ندع احلامنا وطموحنا ينكدان علينا حاضرنا، نعمل بجد وجهد، ونرضى بما قدر لنا ان يكون ثمرة لذلك الجهد.
القناعة انهزامية، ويأس من رحمة الرب التي يمكن ان تنزل علينا بلحظة واحد، “في حال سعينا الى تحقيق طموحنا”، هذا ما ذكره عزيز علي الدليمي، ضابط متقاعد: القناعة تدفعك الى الرضا السلبي، لا بل هي خدعة مررها اجدادنا لانهم كانوا يخافون المغامرة، يخافون الاقبال والبحث عن الجديد والأفضل، فكيف اقنع بالقليل ان كان بإمكاني الحصول على الكثير؟ هل يمكن ان يقنعني أحد بضرورة القناعة بما لدي؟ ابدا، فالله خلقني كي اتعلم بالحياة سبيل الوصول الى مبتغاي وليس القبول بما لدي، ولذلك فهناك مقولة مفادها اسعى أيها العبد كي يعينك المعبود، قد افهم ان القناعة عدم التذمر مما احصل عليه، فليس بالضرورة ان أصل الى هدفي، لكن لي شرف المحاولة، فان وصلت فهذا خير، وان لم أصل ففي الأقل أكون قد حاولت واستثمرت نعم الرب علي من عقل وجسد.
على عكس رأي الدليمي كانت سمية عبد الرضا، التي قالت: لم اسع يوما الى شيء فقد تربيت على القناعة بما لدي، لذلك فحتى بزواجي من رجل لا اعرفه مسبقا لم يكن سببا للتذمر والانتفاض، بل تقبلت الامر تماما، فانا مؤمنة بأن ما يريده لي الله يجب ان يكون خيرا، حتى وان لم يكن مثلما اطمح، فانا لا اعلم الحكمة الإلهية مما يحدث لي وبالفعل فكل ما حصل بحياتي حتى ما كنت رافضة له، نتيجته كانت خيرا لي ولعائلتي، لذلك فانا قنوعة جدا بما لدي، ولدي قناعة مطلقة بقدري.
كلام سمية يجعلنا نعرف ان القناعة ليست جينا وراثيا، بل هي مجموعة معتقدات نؤمن بها ونستسلم لإرادتها، وقد يكون الايمان المطلق بأن ما لدي هو الخير دون سواه يوظف الحالة لصالحنا، إذا ما ركنّا الى مفهوم ان النفس البشرية تؤثر على أجسادنا وعلى المحيط، القناعة هي ان نطمح ونحلم من دون ان نجمح، وان نسعى لتحقيق طموحاتنا من دون ان تصبح هاجسا وقلقا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة