الأخبار العاجلة

رجال ووقائع في الميزان

يرسم الراحل جرجيس فتح الله أفقاً فكرياً وسياسياً نادر المثال فهو بهذا العمل يتطرق إلى زوايا وأحداث وشخصيات كان لها أدوارها المميزة سلباً وإيجاباً في التاريخ العراقي. ومما يلفت النظر في هذه النصوص التي وردت في كتاب رجال ووقائع في الميزان أنها أضاءت بنحو دقيق لحظات وأحداثاً ومسالك فكرية وشخصية وثقافية وتاريخية لم يتطرق إليها احد قط.
“الصباح الجديد” تقدم قسطاً وافراً من هذه الإضاءات كما وردت على لسانه لجمهور لم يطلع عليها في السابق بمعزل عن عمق ثقافة هذا الجمهور او صلته بالسياسة العامة. إنها ليست أفكاراً فحسب وإنما هي شهادات تنطوي على نبوءات مثيرة للدهشة عن اثر المناهج والأيديولوجيات والشهادات التاريخية السابقة للأشخاص الذي يجري الحديث عنهم ويسهم الراحل جرجيس فتح الله في تصحيح الكثير من المواقف والتصورات والوثائق السياسية المرافقة لمواضيع الحديث. كما ان أفكار السيد فتح الله تستكمل في أحيان كثيرة ما كان نصاً لم يكتمل في الماضي. إننا من دواعي الاحترام والتبجيل لهذه الشخصية النادرة نسطر عدداً من هذه الأفكار في الكتاب المذكور” رجال ووقائع في الميزان”.
الحلقة 28
حوارات مع جرجيس فتح الله*

س: من كل ما سردتم عن الأستاذ عزيز استخلص بأنكم تجدونه أهلا للتكريم . فأن كان هذا رأيكم فبأي وجه ؟
أظن أننا ندين له بشيء غير قابل ولعلنا الجواد الوحيد في حلبة هذا السباق , فلا اعتقد ان بني قومه في اي وقت , سيخطر ببالهم ان يحيوا ذكراه كرائد من رواد الديمقراطية والسلام الحقيقي بين الشعبين اللذين يتقاسمان الوطن العراقي . سألتني عما اقترحه في هذا الباب . فلماذا لا نستلهم الوسيلة من حياة الرجل نفسه؟
عرفته وعرفه كثيرون , بسيطا في مأكله ومشربه وملبسه بعيدا كل البعد عن المظاهر , مخلصا للمبدأ الذي اعتنقه وجاهد في سبيله ووهب حياته له كان قليل الادعاء لا يحفل كثيرا بالاطراء ويزهد في المديح . وعلى هذا يتسنى لنا اختبار انسب شكل من التكريم له . وأظنه يرضى بان يطلق اسمه على واحد من المشاريع الإنمائية التي تقام في كردستان اليوم او على معهد علمي او مدرسة عالية . وبهذا يبقى اسمه مع ذكره متاولا بين الناس .
كامل الجادرجي
س: في الحلقات الأولى من حوارنا, نوهتم بمعرفة شخصية لكم بالسيد كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي . وهو كما ورد في سؤالنا العام – من بين اولئك الذين أؤتي تكريمهم في اقليم كوردستان العراقية سيكون من المفيد – وبعد حديثكم عن الوجه الوطني عزيز شريف , التحدث عن هذه الشخصية . وبالأخص منزلته في الاتجاه الديمقراطي العام .
ارى ان يكون واضحا بأن معرفتي بالسيد الجادرجي لم ترق في اي وقت من الاوقات الى معرفتي الوثيقة بالاستاذ عزيز بالنظر الى بعد الشقة بيني وبين العاصمة . فقد كانت هناك مناسبات معينة التقيته بها وسأذكرها حصرا . الا ان معلوماتي الكثيرة عنه ويشاركني فيها الكثيرون , متأتية من متابعتي الوقائع والاحداث التاريخية لعمر العراق القصير . وانا لا انوي ان ادسها او احشر بعضها في هذا الحوار . بل سأقصر الحديث عما وقع لي معه من علاقات يكاد بعضها في هذا الحوار . بل سأقصر الحديث عما وقع لي معه من علاقات يكاد كلها يكون وليد صدف انجرت الى نوع من معرفة وثيقة , ولا اكثر . وكنت قد نوهت سابقا بان اول لقاء لي به كان في اواخر العام 1942 او ربما في اوائل العام الذي تلاه في إدارة جريدته وكانت في ذلك الحين “صوت الاهالي ” وقد سبقني اليها اثنان من اصدقائي وزملائي في الكلية . هما الاستاذ كامل قزانجي وعبد الرحيم شريف الذي كان يحتل مركزا في الصحيفة ذا صفة شبه دائمية اما اولهما فقد كان يزود الجريدة بمقالات ومترجمات ووجدت نفسي مساهما بتعليق او ترجمة واحدة او اثنتين وقد وجدته كثير الالتفات الينا نحن الشباب وقد يحصل ان اتلكأ قليلا لاراني مع اخرين في مجلس الجريدة اسمع كغيري ولا اتحدث . وقد قدمني اليه الاستاذ قزانجي ورحب بي مساهما في “صوت الاهالي” الا ان معظم نشاطي القلمي كان اذ ذاك وفقا على مجلة “المجلة” التي يتولى امرها الاستاذ ذو النون الحاج ايوب كما نوهت في اجزاء سابقة من الحوار.
ثم اختلف الامر قليلا عند اجازة الاحزاب . وارغم الجو السيسي الخانق الذي نشرته وزارة ارشد العمري على الاحزاب المجازة عودة للتكاتف والتعاون بعد القطيعة بين الثلاثة اقطاب جماعة الاهالي اعني عزيز شريف وعبد الفتاح ابراهيم وكامل الجادرجي . وحضرت لقاءات كان فيها الجادرجي فصار يعرفني بالاسم . ثم جاءت فرصة نادرة . كان فيها على ما اظن فاتحة لتعارف اوثق .
في اواخر شهر اب من العام 1946 , سافرت الى بغداد اثر قضائي أسبوعين سجينا بتهمة قيامي بعقد اجتماع حزبي غير قانوني وهي تهمة وصفتها الصحف في حينها ومنها صحيفة الحزب والاهالي بأنها معادلة لجريمة القاء ماء في الشارع الا ان القاضي الذي نظر في الدعوى وكان من زبائن الحكومة في المحاكم العرفية اراد فيما يظهر ان يلقي على هذا الشاب المغرور درسا قاسيا فصار الى السجن بدل الغرامة .
قال لي الاستاذ عزيز باسلوبه الملغز الغامض احيانا هيا بنا الى الجادرجي , وسألته عن المناسبة ولماذا اختارني للقاء فلم يزد عن قوله ستعرف ذلك . ولم ادهش لزوال الجفاء بين الاثنين , كان الظرف ظرف محاكمات الصحافة الحزبية والقوم منشغلون في تهيئة الدفاع واحدهم للاخر وقد قضى ذلك على البرود . الا ان اقحامي بدا لغزا محيرا . عندما دخلنا قال عزي للجادرجي مشيرا الي : “هذا هو كاتب المقال هذا هو ..” ولفظ اسمي اجاب الجادرجي اعرفه , انه واحد من المساهمين في الاهالي اريد ان اسأله بعض اسئلة قال هذا وتناول قلما .
اصل الحكاية انه كانت قد جرت معركة دموية واسعة النطاق بين قبائل شمر وبين قبيلتي الجحيش والبومتيوت الساكنتين في منطقة سنجار في اب من تلك السنة . ربما كانت خاتمة لتلك المعارك القبلية العشائرية في العالم العشائري العربي , سقط فيها ما يقارب المائتي قتيل وبضع مئات من الجرحى وجرت بالنسبة الى عشائر شمر على الطريقة التقليدية اذ اغارت جموعهم وقد قدرت بأربعة الاف مسلح على مواقع وقرى القبيلتين .
واركبت فتاة شمرية على هودج تنشد الاشعار وتنخى المهاجمين في حين تحصن البومتيوت في في خنادقهم التي هيأوها بسبق خبرة جراء خدمة شبابهم في الجيش . وبرغم انهم لم يزيدوا عن بضع مئات فقد حققوا نصرا كاملا على المغيرين , وبعد معركة التحام ضارية استخدمت فيها السيوف والخناجر كان بعض الحضريين من البومتيوت اعضاء في حزب الشعب . جاؤوا بعد خوضهم المعركة وقصوا على ما جرى بالتفصيل مؤكدين بأن نية رؤساء شمر كانت ازاحتهم وإجلاءهم تماما عن اراضيهم بغية الاستيلاء عليها وان الجهات الحكومية تشجعهم بسبب النفوذ العظيم الذي يمارسه هؤلاء الرؤساء . وقد ورثوا الهيبة والمقام عن شيخ مشايخهم “عجيل الياور” الشهير . مؤكدين ان السلطة لم تتدخل وهي تعرف ما يبيته رؤساء شمر . اسرعت فكتبت مقالا مدعما بالاحصاءات والاسباب والنتائج وشارحا الموقف الحكومي وكان قد تبين لي من متابعة الصحف ان الحكومة تعمد الى التكتم فلم ينشر شيء حول الوقعة , ثم بعثت المقال مع رسول الى بغداد لنشره في الجريدة وادرك (عزيز) خطورة الامر واهمية المقال فأسرع بأنزاله مقالا افتتاحيا . فكان كمن اوقد نارا عظيمة تحت مرجل بخار محكم السد . ما لبث ان انفجر في وجه السلطات واحدث دويا وقفت عاجزة عن احتوائه . فقد شرعت الاقلام على اثر ذلك تكتب وانكشفت نيات الحكومة في التغطية . وهرع بعض المراسلين الى الموصل وسنجار لتقصي اثار المعركة الكبيرة ودور الحكومة في التعمية وافتضح موقفها السابق من شكاوى البومتيوت والجحيش من اعتداءات شمر المتوالية .
وتحرج موقف السلطة اثر انكشاف الامر فصدرت الاوامر بألقاء القبض على شيوخ شمر الكبار جميعا وايداعهم سجن الموصل .
وكنت اذ ذاك في غرفتي بسجن الموصل وليس بيني وبين حريتي غير بضعة ايام عندما جيء برؤساء شمر اليه بتقدمهم شيخ المشايخ (صفوك) واخوه (احمد العجيل) رأس الفتنة كما تبين فيما بعد .
وكان طلب الجادرجي اجتماعا بي هو اعطاؤه المزيد من المعلومات حول الموضوع . فبعد ان اثنى على المقال بدأ يمطرني بأسئلة اخذت تنداح شيئا فشيئا لتشمل دائرة واسعة وكان يريد ان يعتصر كل ما في وطابي من معلومات . واستأذن (عزيز) وتركنا وحدنا وتجاوز الوقت موعد الغداء – وكنت اتوقع واصارحك القول – ان يدعوني الجادرجي لمشاركته فلم يفعل (علمت فيما بعد انه لا يتناول غداءه في تلك الساعة ) ثم ودعني حتى الباب شاكرا .
لم يكن مبعث اهتمامي بشخصية الجادرجي ولاء له او اعجابا خاصا بأسلوب كتابته . وانا لم اقرأ له حتى ذلك الحين غير كراستين . فهو لا يعد من زمرة الكتاب السياسيين المبدعين الذين يسحرونك بسحر بيانهم . ثم ان اكثرية افتتاحيات الاهالي كان يكتبها محررون غيره من الكادر المثقف في الحزب وهي تظهر من دون توقيع فلا تتميز واحدتها عن الاخرى , بل كان اهتمامي بأمره وتقديري له نابعا من اصراره على نهج ديمقراطي اصيل ونظاله في سبيل تحقيق اصلاح شامل لجهاز الحكم على اسس دستورية سليمة وبضمان نزاهته وبأطلاب ذلك كغاية ونهاية . لا بأعتباره مرحلة لا بد منها للوثوب الى الاشتراكية على الخط الماركسي . وقد صمد داخل حزبه الذي رأى النور في 1956- لتيارات تتراوح بين اليمين واليسار – , وكان في كل رجة يفقد عناصر قوية فيه . بدأ أولها بخروج عدد من المؤسسين بزعامة عبد الوهاب مرجان (من رؤساء الوزارات فيما بعد ) وهم ممن اعتبروا من اليمين المحافظ الذين أرادوا القفز الى السلطة وعلى اكتاف مثقفي الحزب واتخاذ الحزب مرقاة لهم . ثم اعترته رجة اخرى بالحركة اليسارية التي قادها كامل قزانجي وهي ما اطلق عليه بالجناح التقدمي في الحزب . فتم اقصاء المتمردين . وخرج منتصرا على الاتجاه القومي العربي الذي تزعمه حسين جميل الشخصية الثالثة في الحزب . وكانت المرحلة الرابعة اخطرها خرج منتصرا ايضا بخسارة كبيرة وتضحية جسيمة اعني بأنشقاق عظيم تزعمه محمد حديد نائبه المهادن لعبد الكريم قاسم , ادى الى ختام علاقة دامت اكثر من ربع قرن .

*اجرى الحوارات السيدان مؤيد طيب وسعيد يحيى والكتاب من منشورات دار أراس للطباعة والنشر، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2012

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة