الأخبار العاجلة

حفلات التخرج !

اتذكر – بتلذذ- حفلة تخرجنا من الجامعة في تسعينيات القرن الماضي ، تلك الحفلة التي نظمتها الكلية على حدائق جمعية المصورين العراقيين احتفاءً بالخريجين وإشارة الى دخولنا الحياة العملية .. فيما كنا نذهب فرادى الى مختبر للتصوير في منطقة باب المعظم يقع بالقرب من الكلية ، وهناك نقوم بالتقاط صورة التخرج ونحن نرتدي الروب والقبعة ونمسك بيدنا ( كارتونة مطوية) على اساس انها شهادة التخرج ، وكل تلك المستلزمات يوفرها المصور صاحب المختبر ، مقابل مبلغ لم يكن كبيرا ، اما صورة التخرج الجماعية مع اساتذتنا الاجلاء فيقوم بالتقاطها مصور الكلية ونحن نقف في المدرج الموجود امام الباب الرئيس ، وتنتهي حياتنا الجامعية بهذه الفعاليات البسيطة التي ما زال صدى جمالها يتردد في خلجات نفوسنا ، وما زلت احتفظ بتلك الصور الجميلة الخالية من البهرجة المبالغ بها ..
شريط الذكريات الجميل هذا مرّ بذاكرتي وأنا اتابع ما تشهده اروقة الجامعات الحكومية والكليات الاهلية من الكثير من الفعاليات المبالغ فيها تحت عنوان (حفلات التخرج) ، وباتت الكليات تتبارى فيما بينها للفوز بمسابقة اقامة تلك الحفلات ، التي تكلِّف الاسر الكثير من النفقات ، بل ونفقات هائلة .. ومن بين هذه الفعاليات ( صورة التخرج ، وهذه الصورة تمر بمراحل وفعاليات مختلفة ، ومن متطلباتها ارتداء الملابس الخاصة بالتصوير ، وهي ملابس تستعمل لمرة واحدة مثل الاواني ذات الاستعمال الواحد , ولكل مرحلة زيا بعينه .. وبعد (مهرجان الصورة) يأتي مهرجان الحفلة التنكرية ، وهذه تعد من اسوأ الفعاليات التي تشهدها اروقة الجامعات والكليات ، اذ يرتدي فيها الطلبة ازياء عجيبة غريبة الكثير منها لا يمت للواقع العراقي بصلة ، لا ، بل ان بعضها ربما يحمل اساءة لهذا الواقع ، وهذه الازياء الغريبة تباع بأسعار باهظة جدا ، ثم تُرمى بعد ذلك لانها ذات استعمال واحد فقط !!.. ولا يتوقف الامر عند مهرجان التنكر ، بل يمضي بعيدا الى حفلة « الحنة» التي تسبق حفلة التخرج ، وعلى الطالب ان يقتني بطاقة حفلة التخرج بمبلغ مبالغ به ، للطالب وعائلته والأصدقاء والأقرباء !! ) ، ولكلا الحفلتين ( الحنة والتخرج ) زي خاص به ايضا!!.. وتتخلل هذه المهرجانات الكبيرة حفلات هنا وهناك تحت شعارات ومسميات شتى ، بعضها يخرج عن الذوق احيانا ، وإلا هل من المعقول ان يحمل الطلبة طبولا ويجوبون اروقة الكلية بدعوى انهم فرحون بتخرجهم ؟!! .. والطامة الكبرى ان عدوى هذه الفعاليات الجامعية بدأت تنتقل الى المرحلة الاعدادية والمتوسطة والابتدائية وحتى رياض الاطفال !!، وكل هذا يكلف العائلة نفقات هائلة ومرهقة جدا ..وأنا هنا لست رافضا او معارضا لمظاهر الفرح التي يسعى الطلبة إلى اشاعتها في الكليات بمناسبة تخرجهم ، اذ من حقهم ان يفرحوا بجني ثمار سنوات طوال من الدراسة ،وهم يستعدون للدخول إلى معترك الحياة ، انما ثمة فعاليات ومظاهر تتخلل تلك الاجواء غير مرغوب بها ، فهي ترهق كواهل الاسر فضلا عن ابعادها الاخرى ، وهنا ، ينبغي ان يكون لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، كلمة فصل في مثل هذه الفعاليات التي تشهدها الجامعات العراقية ذات الارث العريق والرصانة العلمية العالية ، وضرورة الحد منها او تهذيبها حفاظا على تلك الرصانة ، فإن تُركت الامور على عواهنها ، فاننا سنشهد المزيد من التراجع والتردي في المستوى العلمي للطلبة المتخرجين ، اذا ما علمنا ان مثل هذه الافعال تأخذ من الطلبة نحو شهرين ، وكل ذلك على حساب العلم ومستقبل الشباب .. واعتقد ان وراء هذه الافعال والاعمال اصابع وجهات تشجع عليها بحثا عن الماء والكلأ !!.. اليس كذلك ؟
عبد الزهرة محمد الهنداوي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة