إعداد – سامي حسن: يستعيد التأريخ أحداثا وقعت خلال مجريات الحياة فيها نوع من الحنين والشوق يتوجب إدراجه بحيث لا يراد لها أن تمضي بعد أن سكنت في الذاكرة، فالتأريخ لا يعيد نفسه، وهكذا ترانا ننحني لأجمل الذكريات والحنين إليها فنقدرها ونبرزها محبة الى ذلك الزمان الجميل والبسيط بكل ما فيه من مشاهد وشواهد، فالذكريات ...
" />

الشاي في مقاهي بغداد .. يحمل عبق الزمن وجمال الصور

إعداد – سامي حسن:

يستعيد التأريخ أحداثا وقعت خلال مجريات الحياة فيها نوع من الحنين والشوق يتوجب إدراجه بحيث لا يراد لها أن تمضي بعد أن سكنت في الذاكرة، فالتأريخ لا يعيد نفسه، وهكذا ترانا ننحني لأجمل الذكريات والحنين إليها فنقدرها ونبرزها محبة الى ذلك الزمان الجميل والبسيط بكل ما فيه من مشاهد وشواهد، فالذكريات تحمل عبق الزمن وجمال الصور وروعة الأنسان والمكان، وخاصة حينما تكون لمكان ولد المرء فيه وتربى وترعرع بين أحضانه.
في بغداد يبقى للمقهى مكانة روحية تحمل سحراً خاصاً، فهو المكان الأنسب لاجتماع الأصحاب، فكثير من الناس يشكل ارتياد المقاهي لهم جزءاً مهماً من حياتهم اليومية ، ولكن اليوم اصبحت معظم تلك المقاهي ذكرى لزمن جميل لن يعود ابدا .
أصبحت المقاهي الشعبية الأدبية في بغداد آواخر الاربعينيات من القرن الماضي ظاهرة اجتماعية عراقية، حيث تتم اللقاءات اليومية بين الادباء والكتاب والشعراء وغيرهم. وتدور بينهم النقاشات الثقافية والفكرية والسياسية. واصبحت هذه المقاهي المكان المناسب للمثقفين والسياسيين وشرائح اجتماعية واسعة من ابناء الشعب، وأصبحت عبارة عن مدارس تعلم فيها الأدباء والشعراء الكبار الكثير من العلوم والمعارف من خلال الحوارات التي تعقد فيما بينهم . وهم يجلسون على أرائك خشبية أمام السماورات والقواري الموضوعة في ( الأوجاغ ) الذي يغلي فيه الماء ويخدر منه ( الشاي المهيّل ) وشاي الدارسين وشاي الحامض وشاي الكجرات الحامض وشرب الأركيلة لدرجة ان قسم منهم يلقي أشعاره وهو يلعب الطاولة أو الدومينو ، بينما تدور هنا وهناك نقاشات في المجالات الفنية والرياضة والعلم والآداب ، فضلا» عن الترويح وقضاء اوقات ممتعة . ولم توقف ضوضاء الشوارع المحيطة ولعب الدومينو والطاولة وصخب المارة وأصوات الباعة المتجولين وأبواق السيارات هذه المقاهي من اداء دورها في الحوار المتبادل بين المثقفين والتباحث في أمور الحياة الأدبية والسياسية وتفاصيلها .
فقد اشتهرت بغداد منذ سنين طويلة بمقاهيها الشعبية ، العشرات من هذه المقاهي تنتشر في مناطق وشوارع وأزقة بغداد وعلى ضفتي نهر دجلة الخالد ، ونتذكر نحن البغداديون هذه المقاهي الشعبية الموزعة هنا وهناك في احياء بغداد حتى بات يمكننا القول ان بغداد تحوي بين كل مقهى ومقهى .. مقهى ، هذا ما نتذكره نحن الصغار في ذلك الوقت ويتذكره اهالي بغداد الأكبر منا سنا» ، تلك المقاهي الشعبية ذات التصميم والطبيعة والهوية التراثية البغدادية العريقة والتي شهدت واسهمت بشكل فعال في التغيرات الاجتماعية والسياسية العديدة التي شهدها تأريخ العراق منذ تأسيسها قبل عقود طويلة . حيث كانت المكان للرواد الذين ينتمون لشرائح شتى وهم يخصصون جزءا من أوقاتهم اليومية لها، يتبادلون فيها شؤونهم الخاصة وأخبار البلاد والعالم ويذكر الباحثون ان أول مقهى شيد في بغداد هو مقهى ( خان جغان/عام 1590) في العهد العثماني .
ويؤكد الباحثين ان المقاهي الشعبية البغدادية لم تشهد أي حضورا» للأدباء العراقيين في فترة ما قبل القرن العشرين، فمقاهي بغداد القديمة كانت ملتقى لرجال الأدب والعلم والسياسة والفن وقراءة الشعر.
أضافة للمطالعة والراحة والتسلية وحل مشكلات العمل وهربا» من صخب الحياة المملة صيفا» في البيوت القديمة، أضافة لكونها كانت تستقبل الكتاب والشعراء الشباب المتنورين من بقية المحافظات ممن يدفعهم الأمل في التعرف ولقاء كبار الكتاب والشعراء والأدباء والاستفادة من تجاربهم الثقافية في الأدب والقصة.
ولم يقتصر تأثير المقاهي الشعبية الثقافية على الحياة الثقافية العراقية فحسب بل كان لها تأثير واضح على الأدباء والفنانين في البلدان العربية وخاصة في دمشق وبيروت والقاهرة حيث كان المثقفون والأدباء العراقيون يترددون عليها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة