الأخبار العاجلة

إنهم يمزحون ليس إلا

هدية حسين

نعم أسمعهم، برغم الطنين الذي يدوي في أذني أسمعهم، أصواتهم همست في البداية، ثم علت رويداً، وتشابكت وتقاطعت وتماوجت واختلطت الكلمات حتى لم تعد مفهومة، كأنهم يتشاجرون أو يتخاصمون أو يتقاطعون في الآراء أو يزدحمون في مكان ضيق فيه مأرب لكل واحد منهم، ضاع طنين أذني في صخبهم وداهمني خوف أن يندفعوا نحوي مرة واحدة وأصبحُ في خبرهم، هممت بالخروج مسرعة لكن الأصوات لم تخفت، بل صارت لها أبواق تنفخ وتفح وتصر صريراً مدوياً، وأدركت أن مهمتي صارت مستحيلة فأنا لم أبرح المكان إلا ببضعة أقدام، لقد شل الخوف أقدامي والظهيرة تبدو كوقت الغروب، والأرض بيضاء، لماذا جئت في هذا اليوم الغائم شديد البرد، أما كان بإمكاني انتظار بضعة أيام لعل الطقس يتغيّر؟
أنظر الى الاتجاهات أجمعها.. لا أحد سوى دوامة الهواء تدور وتعصف بين القبور، وسوى لغط لطيور تنعق في الفضاء، عبرت مخلفة وراءها صدى ضاع في اهتياج الأصوات، الأصوات التي لا أعرف أصحابها الراقدين، كنت أظن طوال ما مر من عمري أن الأموات لا أصوات لهم، فهم حين يغادرون يتركون كل شيء وراءهم، وكل الشيء هذا يذوي بمرور الوقت ويختفي مثلما اختفوا، لا يبقون سوى ذكريات في رؤوس من كانوا أحباءهم، أو أعداءهم، أو أناس مروا مروراً عابراً في مشاويرهم اليومية، لكن الأمر ليس كذلك وأنا ألهث كأنني أركض بينما أقدامي لا تسعفني، وهم لا يكترثون لأمر امرأة خائفة تريد الخروج بأي ثمن، حتى لو كان الثمن أن تنتهي حياتها في هذه اللحظة.
نعم، فالموت أهون من الخوف وهو يشل الأوصال، لا بد من أنني كنت أكذب وأنا أدعي الشجاعة في كل وقت؟ أين تلك الشجاعة وأنا أختض هنا مثل ريشة لا تحط على الأرض ولا تعلو الى السماء؟ من يمنحني جرعة شجاعة ويخرجني من بحر المخاوف؟
**
ضاع قبره وأنا أبحث عنه منذ نصف ساعة، الثلوج التي سقطت بكثافة في اليومين الماضيين لم تترك علامة تدل عليه، أو على أي قبر آخر، القبور كلها مستوية مع الأرض، حتى شاهداتها البرونزية مستوية مثلها، كأن الحكمة تقول: كلكم متساوون بعد الموت، لا فضل لغني على فقير ولا ميزة لرجل على امرأة.. الأرض بيضاء، كأن بساطاً أبيض سميكاً امتد وغطى جميع القبور.. وأنا أعرف مكان قبره لولا هذا البساط، أعرفه على الرغم من أنه حتى الآن بلا شاهدة، لأسباب أجهلها، والسماء تجهلها أيضاً ولا تترك فسحة ضوء بل تنذر بالمزيد من الثلوج فقد نث منها ما يشبه الغلالات، شفافة تتمايل وتتحرك أينما تأخذها الرياح، كأنها تؤدي رقصة حزينة موحشة، في مكان حزين وموحش كان ساكناً قبل أن يضجوا بالصخب.
البرد والخوف يخترقان عظامي الهشة، هل يبغون إخافتي لمجرد التخفيف عن وحشتهم، أم إنهم يتعاركون على ذكرى متشابهة مرت بحياتهم السالفة، كل واحد منهم يدعي بأنها تخصه؟ أم…. إنني أعجبتهم فأرادوا إضافتي لعددهم الذي يضيع على العد، أم… النيل مني لأنني ما زلت أعب الهواء وأواصل الحياة بقدمين سليمتين وقلب لمّا يزل ينبض.
لم تعد لي قدمان وما عدت أسمع نبض قلبي من شدة الخوف، لم تعد لي إلا أمنية الخروج من هذا المكان.. استجرتُ به أن يطلب منهم الرأفة بي، أن يفكوا وثاق قدميّ، لكنه لا يسمعني.. هم أيضاً لا يسمعون توسلاتي بهم، ربما يسمعون فقط نشيج خوفي الآخذ بالتصاعد، وقد يسخرون مني أو يحقدون علىّ أو ربما يشعرون بالغيرة من الزائر الجديد بينهم وكيف تأتيه امرأة كل أسبوع قي حين هم لا يزورهم أحد في مثل هذا الطقس المريب.
سأكف عن الزيارة، قلتُ لهم في لحظة يأس، فقط دعوا قدميّ تنطلقان، انزعوا عنهما الخوف، وأعدكم بأنني سوف أخصكم بزيارات مماثلة، أمر فيها على قبوركم واحداً واحداً وأنثر عليها الحلوى، أزرع بتلات الورود عند رأس كل واحد منكم، وأبخّر الهواء الذي يطوف بينكم بكثير من البخور.. ها قد ادلهمّت السماء والثلوج بدأت تتواصل من دون انقطاع فعودوا الى صمتكم ودعوني، استريحوا وأريحوني، ردّوا إليّ طمأنينتي واطمئنوا في رقادكم الأبدي.
لكنهم لا يعبؤون، بل ازدادوا ضجيجاً، وأنا ضائعة فوق البياض، لا أدري أين قبره بين قبورهم، الأرض بيضاء، كل شيء أبيض إلا سواد الخوف المعربش على جسدي.. أظنني رأيت عن بعد امرأة خطفت كأنها ظل، كثافة الأشجار وهطول الثلج لم يتركا لي فرصة للنظر ملياً، نزلت المنحدر بسرعة في الجهة الشمالية من المقبرة، أين كانت تلك المرأة، هل جاءت مثلي في هذا اليوم المثلج وأضاعت قبراً يخصها؟ ولماذا هي مسرعة كأنها هاربة من شيء ما؟ أم تراه خداع بصر، أم أن بصيرتي تعطلت عن كل شيء فصارت لا تميز بين شجرة تتمايل في الريح وامرأة قد لا تكون موجودة؟
إن بقيت هكذا متسمرة في الثلج سأدفن فيه، بكيت، رفعت رأسي الى السماء الهاطلة بالبياض وبكيت بحرقة، فجأة، كأن يداً امتدت إليّ وسحبتني، وجدت قدمي تخرج من بين الثلج ببطء، ثم تتبعها القدم الأخرى، تقدمتُ خطوة واحدة، ثم خطوتين، أكاد لا أصدق وأنا أركض باتجاه بوابة المقبرة، أغوص في الثلج وأركض، متلفتة من حين لآخر خشية أن تلاحقني الأشباح، الأصوات بدأت تخف، تبتعد قليلاً، لا تلتصق بخطاي، تمضي صوب الجهة الشمالية للمقبرة، الى حيث خيّل لي أن رأيت امرأة، توقفت قليلاً لأعيد لأنفاسي بعض الهدوء، ونظرت ورائي باتجاه صدى الأصوات، خيل لي في هذه اللحظة مجموعة ظلال على هيأة بشر عراة يركضون ويضجون بالصراخ ويتزاحمون ويتدافعون ويتسابقون… ثم ينزلون المنحدر… لعلهم يظفرون بامرأة سيشلها الخوف مثلي.. وحين وجدت نفسي خارج المقبرة تملكني إحساس بأنهم ربما كانوا يمزحون معي ليس إلا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة