آخر ما ابتكرته تقنيات الهرب الى الأمام، والمحببة لقلوب وعقول الحشود والنخب الأكثر ضجيجاً في المشهد الغرائبي الحالي؛ هو تحويل المسؤوليات والمواقع المفصلية التي نخرها الفساد الى “شخصيات مستقلة”. هكذا بكل يسر وبساطة نأتي بـ “الشخصية المستقلة” لتجترح لنا المعجزات وتنتقل بنا الى ضفاف الاستقرار والازدهار، من دون أن نكلف أنفسنا قليلاً في التعرف على ...
" />

في انتظار.. شخصية مستقلة

آخر ما ابتكرته تقنيات الهرب الى الأمام، والمحببة لقلوب وعقول الحشود والنخب الأكثر ضجيجاً في المشهد الغرائبي الحالي؛ هو تحويل المسؤوليات والمواقع المفصلية التي نخرها الفساد الى “شخصيات مستقلة”. هكذا بكل يسر وبساطة نأتي بـ “الشخصية المستقلة” لتجترح لنا المعجزات وتنتقل بنا الى ضفاف الاستقرار والازدهار، من دون أن نكلف أنفسنا قليلاً في التعرف على معنى الاستقلالية في مثل هذه الشخصيات، وحقيقة ما يمكن أن تقدمه فعلاً وسط هذه الشروط والمناخات المتخمة بالتشرذم والتمترس والمقرون باغتراب طويل عن سلطة الدولة والقانون. مصيبتنا تكمن في هذا التعاطي غير المسؤول مع المفردات والمفاهيم، هذه المصيبة التي حذّر منها الحكيم كونفوشيوس منذ زمن بعيد، عندما وضع مهمة إصلاح اللغة والاستعمال الدقيق للمفردات والمفاهيم على رأس أولوياته. خطابات سريعة ومترعة بالحماس تعلن ومن دون ادنى وجع من عقل أو ضمير؛ عن امتلاكها الحلول والدواء لكل أشكال الفشل والعجز، كما شاهدنا طوال أكثر من اربعة عشر عاماً من الإخفاق في شتى مجالات الحياة المادية والقيمية. إن الهرب من مواجهة العلل الفعلية للهزائم زمن النظام المباد وحلقات العجز والفشل المتواصلة بعد “التغيير” عبر هذه الفزعات البائسة والتي لن تكون تعويذة “الشخصية المستقلة” آخر العنقود فيها، لن يفضي لغير المزيد من الخيبات والإحباط.
لقد أهدرنا الكثير من الوقت والإمكانات في الهرولة خلف الشعارات الخاوية، والهرب من مواجهة التحديات والمخاطر الواقعية، والتي تكمن في بنية المجتمع والدولة وما يرافقهما من هياكل وقيم ومؤسسات. الخلل كبير ولا جدوى من اقتفاء أثر دونكيخوته في محاربة طواحين الهواء، ويمكننا كشف زيف مثل هذه الخيارات عبر التمعن قليلا بتجارب الأمم والمجتمعات الأخرى التي عاشت ظروفاً وتحديات مشابهة لنا؛ ولن نجد في التجارب الرائدة والناجحة منها، من اعتصم بعروة “الشخصيات المستقلة” كي يرتقي الى ما وصل اليه من استقرار وازدهار. بل تعرفنا الى التفافهم حول زعامات سياسية وضعت نصب عينيها مهمة خدمة الشأن العام وعبر الوعي العميق بهموم وتحديات عصرها، وما سطروه من صفحات مشرقة في التفاني والإيثار. نادراً ما نجد من يلتفت لعلل فقرنا السياسي الحالي، وعجزنا عن إنتاج أحزاب وتنظيمات مهنية بالمعنى الحديث لهذه العناوين، والتي مسخت بشكل بشع على تضاريس هذا الوطن المنكوب بالتفاهة والأهازيج الخاوية.
حتى لو سايرنا اصحاب هذه التعويذة، وافترضنا وجود مثل هذه الشخصبات البعيدة عن الكتل المتنفذة وإقطاعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ووضعنا واحدة منها لتسنم منصب محافظ البصرة الشاغر حالياً (كما يدعو المتحمسون لذلك) فما الذي سيحصل على أرض الواقع، وهل بمقدوره فعلاً النهوض بواقع البصرة البائس والمنحدر بسرعة الى الحضيض بهمة كتل التشرذم الاجتماعي والسياسي ومافيات الفساد المتواشجة مع النفوذ المتزايد للعشائر والقبائل ومحظوظي حقبة الحوسمة وانعدام سلطة الدولة والقانون..؟! كل من تبقى لديه كسرة من عقل وإنصاف يدرك استحالة تحقق أي تقدم فعلي مع مثل تلك الخيارات الطوباوية، حتى لو امتلكت تلك الشخصية شيئا من مواهب السوبرمان. لأن القضية أكثر تعقيداً من العطابات الفردية والشخصية، وتحتاج الى حزمة شروط وقرارات أكبر بكثير من مثل هذه الوصفات البطرانة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة