الأخبار العاجلة

(المقام) و(السياق) في التداولية … فوضى المصطلحات

تؤدي مشكلة ترجمة المصطلحات، في أحايين كثيرة، إلى أوهام وأغلاط تنبني عليها نتائج يتصور الباحث أنها صحيحة لأنه اعتمد على ما فهمه المترجم. يحدث هذا عادة حين يترجم أكثر من مترجم واحد كتبا خاصة بعلم ما، فيترجم كل منهم المصطلحات بحسب فهمه، زد على هذا أن المترجمين، في الغالب، مختصون بالترجمة، لكنهم غير مختصين بالموضوع الذي يترجمونه، وهكذا يجد الباحث (الذي لا يعرف لغة أجنبية) نفسه أمام كم من المصطلحات التي سيتصور أنها مختلفة ويبدأ بالبحث عن الفوارق بينها.
يعد مفهوم (Context) من المفاهيم المركزية في الدرس التداولي، خاصة فيما يتعلق بالبحث فيما يعرف بـ(أفعال الكلام) الذي كتبت فيه مئات الرسائل والأطاريح والأبحاث والكتب في الجامعات العربية، وقد ترجم بعض المترجمين المصطلح بكلمة (السياق)، وهي الترجمة الأدق، في حين ترجمه آخرون بكلمة (المقام) في مقاربة مع المصطلح العربي البلاغي القديم. وقد أدى هذا الاختلاف إلى أن يفهم بعض الدارسين خطأً أن التداولية تستعمل مصطلحين مختلفين (السياق والمقام) وراحوا يبحثون في الفرق بينهما، وبينهما وبين المصطلح البلاغي القديم، وهكذا أصبحنا في مواجهة نوع من الدراسات ينسب نفسه للمنهج التداولي فيما هو مبني على فهم مغلوط أدت إليه الاختلافات في الترجمة، فضلا عن التباس المفهوم التداولي بالمفهوم البلاغي القديم مع أن كلا من المفهومين ينتمي إلى اتجاه يتباين مع الاتجاه الآخر تبايناً قد يصل حد التناقض.
البلاغة العربية القديمة كلها مبنية على مبدأ (لكل مقام مقال)، فغاية البلاغة تعليم المتكلمين بالعربية تأليف الكلام بما يناسب الموقف الذي عليهم أن يتكلموا فيه. ومن أجل التعليم تصور البلاغيون (المقام) بصور نمطية (قوالب وإكليشهات)، فكانوا يحددون ما ينبغي أن يقوله الشاعر في مناسبات محددة يمكن حصرها، فقدامة بن جعفر مثلا، وضع في كتابه (نقد الشعر) فصولا تحصي المعاني والألفاظ التي ينبغي أن يضعها الشاعر في كل مقام أو غرض، فهو يقول في المديح محدداً الخصال التي ينبغي ذكرها في الممدوح: «وإنما هي العقل والشجاعة والعدل والعفة؛ كان القاصد لمدح الرجال بهذه الأربع الخصال مصيباً، والمادح بغيرها مخطئا»، يعني أنه يذكر هذه الصفات التي تناسب مقام المديح بغض النظر عن اتصاف الممدوح بها فعلا.
ونجد في كتب البلاغيين تعابير مثل (وهذا مما لا يصلح قوله في مخاطبة الملوك)، فقد تعاملوا مع قضية الصياغة وتخير الألفاظ بطرائق نمطية تضع العملية اللغوية في قوالب قابلة للحصر ليسهل تعلمها وحفظها.
أما في الدرس التداولي فمفهوم السياق (Context)، أو (المقام) كما ترجمه بعض المترجمين، فهو مختلف تماماً، فهو، بحسب مؤسسي المنهج مثل (سيرل) و(أوستن)، الحدث الكلامي الفريد الذي تتضافر عوامل عدة لجعله موقفاً لم يحدث سابقاً ولا يمكن أن يتكرر مرة أخرى، فحين يتحاور شخصان فإن هناك مجموعة من المؤثرات التي ستفعل فعلها في شكل الصياغات اللغوية لحوارهما، منها:
1. الموضوع أو الغرض: فلكل موضوع ألفاظ خاصة به وألفاظ أخرى لا يمكن استعمالها فيه.
2. المكان: فالحديث في قاعة الدرس، مثلا يختلف عنه في غرفة في المنزل حتى لو كان يدور حول الموضوع نفسه.
3. المتحاورون: فمراتبهم ومدى صلتهم بالموضوع ومقدار معرفتهم به كلها عوامل مؤثرة في الصياغة.
4. الحاضرون أو المستمعون من غير المشتركين في الحوار، فالمتحاورون سيأخذون وجودهم بالاعتبار في صياغاتهم لما يقولون.
5. الزمان: فالحوار أول النهار يختلف عن الحوار في وقت متأخر من الليل مثلا، والحوار قبيل الامتحان يختلف عن الحوار أول العام الدراسي.
6. الحالة النفسية للمتحاورين والحاضرين: فالمتحدث المتوتر يصوغ عباراته بطريقة مختلفة عن الشخص الهادئ، وتوجيه الخطاب إلى شخص عصبي المزاج لا يشبه مخاطبة شخص معروف بقدرته على التحمل.
هذه العوامل وغيرها تجعل أي حوار موقفاً كلامياً فريداً يستحيل أن يتكرر. وهذا هو ما يسمى في المنهج التداولي السياق وكما هو واضح فهو يختلف تماما عن مفهوم المقام في البلاغة القديمة.
ومن أجل التخلص من الخلط الذي تسبب فيه اختلاف المترجمين، من المفيد أن ندرك أولا أن التداوليين استعملوا مصطلحاً واحداً للتعبير عن الموقف الكلامي هو (Context)، وأن الترجمة العربية الدقيقة له هي (السياق) ولا ينبغي استعماله بترجمتين لأن ذلك سيؤدي إلى تصور وجود مصطلحين مختلفين. أما مصطلح (المقام) فينتمي إلى المنظومة الاصطلاحية الخاصة بالبلاغة العربية التقليدية ولا ينبغي استعماله إلا داخل هذه المنظومة.
د.ثائر العذاري

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة