البحث عن الرغبة في الميناء

سركون بولص
(1-2)
ناجح المعموري

قصة ( يجوب المدن – وهو – ميت ) ذات أجواء غريبة وليست عراقية وربما هي ذهنية أو معاد إنتاجها بعد رؤية فيلم سينمائي . لكنها تشف عن انطولوجيا كاشفة للذات وعلاقتها بالعالم وحصراً المحيط الذي تعيش فيه الشخصيات. الراوي هرب من المدينة والأصدقاء وذهب إلى حيث لا يدري ، لكن حركته أخذته نحو طرف المدينة كعادة شخوصه دائماً ، فهي مطرودة بفعل قوة داخلية نحو الهامش كما في الملجأ والقنينة وهذه القصة كانت المفاجأة رؤيته للغجرية في العربة وتعرف لأول مرة على حياة لا تشبه حياة الآخرين وإنما مختلفة عن كل الحيوات ، امرأة تعيش وسط ظروف صعبة ومعقدة والقصة أكتفت بالذي قالت به، وظلت أسئلة كثيرة لها علاقة بحياة الغجرية اليومية وممارسة وظائفها ، لكننا تعاملنا معها بوصفها سرداً تمركز حول الوجود الانطولوجي للإنسان ولم يجد سركون بولص وسيلة أفضل من السرد ، وقدم كل ذلك الإشكال عبر وعي متقدم بالإضافة إلى خبرته الفنية . واختزلت شخصية الغجرية محنة إنسان متخيل ربما يعيش وسط ظروف أعقد وأصعب ولكن ليس بالطريقة التي عاشتها الغجرية . وعلى أية حال ، فأن قصة ( يجوب المدن – وهو- ميت ) عكست حياة البؤساء / الفقراء ، ويكفي هذا التميز لأنها عالجت تلك الثورة بما هو غير مألوف لنا وكانت القصة سركونية ، متماهية مع أفكاره وتصوراته للحياة والعالم ، ويبدو اهتمام سركون بالمرأة واضحاً في قصصه ، فهي مطرودة من حياة الجماعة / جافة / فقيرة جداً / لم تجد محطة استقرارها وأمان أيامها كما في القنينة / الحمامة والزنجي / يجوب المدن وهو ميت / والعلاقة بينهما مشروخة ثقافياً / واجتماعياً .
الغجرية معروضة للاستهلاك الذي والصدفة وحدها قادت الراوي إليها وفي قصة ( النور ضعيف في السادسة ) كان الراوي هارباً من بيته هو الآخر لأن زوجته خانته ، ذهب إلى شقة امرأة ، وهل الصدفة قادته إليها مثلما هو متحقق في قصة ( يجوب المدن وهو ميت) ؟ قضى في شقتها أربعة أيام ووقع الآخر بعلاقة آنية وطارئة ، لأنه منهزم بسبب زوجته ، ملاحق بالخيانة وأزاد ممارسة الفعل ذاته، أتخذ قراراً بمغادرة الشقة. ولحظة استيقاظه ونهوضه من السرير رأى عبر النافذة رأس حصان. قرر التوجه للميناء ، وانتظر قليلاً حتى مرت سيارة.
( وفي الميناء هبطت ، ماء شاسع ، نظيف ، وشممت بكل عروق أنفي . لقد انتظرت طويلاً ، وكدت أنخذل ، لأرى هذا المشهد . تجولت قليلاً من غير ما هدف ، وقد ملأني الشعور بجوار الماء / ص79) .
مختلف في كل شيء والحياة جديدة عليه في الميناء ، تنفس بعمق ، وتذكر انتظاره الطويل حتى يرى الميناء ومشاهده المثيرة . هروبه إلى هذا المكان سعي لهروب أكبر ، الذهاب إلى مكان آخر ينقذه من العار الذي سببته الزوجة له . لقد أكتشف مغامرته الجديدة في البيوت القديمة التي كانت تنحني على الماء كحيوانات مسنة منهكة ، ميزت حياة سرية تجري رغم كل شيء وجرفتني الرغبة . لا شك أنني أبدو صغيراً غير نافع ، كقوقعة فارغة ، كورقة يابسة وأنا تحت أنظار البشر الذين كانوا مستغرقين في عملهم ، هناك دخنت قليلاً ثم شعرت بجوع وتذكرت وجوب تناول بعض الطعام / ص79 .
على الرغم من أنه يبدو صغيراً وغير نافع ، استطاع اكتشاف البيوت السرية التي حركت الرغبة بجسده ، إنه صغير وغير نافع ، ومثل قوقعة فارغة ، كيف تم تخصيب زوجته ؟ هل هو الذي زرع بذرته في رحمها ؟ أم شخص آخر ؟ وهذا محتمل لأنه توصل إلى قناعة بانحراف زوجته وخيانته . هذا السؤال وجد جوابه في الذي قاله الراوي ، لكنه تسلل إلى أحد البيوت الموجودة هناك وتمتع جنسياً على الرغم من ملاحقته بالخيانة التي تأكد منها وهرب منها إلى الميناء ، على أمل الخلاص في الهناك البعيد . المقهى لها وظيفة ثقافية / اجتماعية ، مكان للاختلافات والتنوعات ، حتى البحار الأجنبي دخل إليها ولم يجد وسيلة يتفاهم بها مع الموجودين . وفوجئ الراوي به ، وكان سعيداً لأن البحار أجنبي ، أنه المنقذ المحتمل ، المخلص الذي ربما يأخذه إلى هناك .
– نعم ، أعرف الانكليزية . تفضل
جلس بمرح. وانتظر حتى أنتهي من طعامي ..
– في الواقع كنت أريد أحداً أكلمه .
وقال وهو يبتسم ، وأكمل :
– صديق . أنت تعلم
– نعم . قلت ونهضت . في الطريق قال البحار السويدي فجأة :
– هل تعرف في المدينة مكاناً ؟
ومر بيده على صدره وفخذيه ، بحركة غير واعية :- فيه نساء ؟
– تقصد بغايا ؟
وانتظرت إيماءاته – التي أعطاني إياها بارتياح . عرفته : من حثالة أوربا وضحكت :
– غريب ، أسم البحار يرتبط دائماً بالبغي ، دائماً . وشاركني ضحكي ولحيته تهتز كنشارة ذهبية .
– تعني في الأفلام أليس كذلك . وكف عن الضحك . أجابني باقتضاب :- البغايا قدر البحار . لا جدال في ذلك / ص80 .
البحار السويدي محاصر بالمكبوت ويحلم بممارسة متعته ، وهو يعرف بأن الموانئ لها بغايا ومشاهد السينما هي تكرار لما يجري في الحياة . لكن البحار فتح نافذة في ذاكرة الراوي الذي لم يشر لذلك ، نافذة في الروح لأنه ملاحق بالخيانة الزوجية التي دنست جسدها، ويبدو بأن الميناء محطة واسعة حاضنة لبيوت سرية ، مفتوحة لمن يريد إشباع رغبته وليس البحار فقط ، والدليل ما اكتشفه الراوي بسرعة وتسلل إلى هناك ولم يكن بخيلاً على البحار السويدي ، بل أشر { مقترحاً إلى بيت واطئ كانت نوافذه مغلقة في وجه الصباح ، وذهب خطوة ، ثم قال :
– هل جربت المضاجعة صباحاً ؟ سألني فجأة وتركني في مكاني لا أعرف ما أجيب به عليه / ص81 } .
وكما قلنا سابقاً للصباح حضور في قصص سركون بولص ، لأنه الزمان المفتتح ليوم جديد ومزاولة النشاط التقليدي ويبدأ به ، لكن الراوي لم يستطع الإجابة والتزم الصمت . الصباح مفتاح لهوية الإنسان وعلاقته بالعمل . وإخضاع الجسد الأنثوي له وقت إذا حصل فردوسياً وله الأوقات كلها إذا توفر في اللحظة التي يرغب بها الإنسان وتبدّى الجنس لدى البحار السويدي متعدد الأقنعة ، منها قناع صباحي .
أشار القاص عبر الراوي إلى إن الميناء يستدعي البحارة للبحث عن النساء / البغايا ويبدو بأن ذلك أحدى خاصيات الموانئ / المنفتحة على أماكن / وجغرافيات واسعة ، بمعنى إنها فضاء كزموبوليتي .
وللموانئ رأسمال رمزي تراكمي ، هذا أمر معروف للبحارة . لذا دخل البحار السويدي للمقهى ليسأل عن مبغى في الميناء ..
ينطوي نزوع البحار السويدي للبحث عن مبغى ، أو دار فيها مومس على رغبة رمزية للاتصال مع الآخر ، وتحقيق تجاور مع مكان آخر وجديد والتحاور معه من خلال تبادل العلاقة مع امرأة.
القادم هو الأهم وما يحفز القراءة لإثارة ملاحظة جديدة والتورط بتأويل العلاقة بين جسد الهناك وجسد الهنا . ثنائية ثقافية بين مختلفتين . دخول البحار السويدي للمقهى لأنه يعرف ما تعنيه المقهى ثقافياً / واجتماعيا ، لذا سأل عن المتعة فيها . وحتماً كانت المقهى كياناً اجتماعياً متنوعاً ، واستمرار بقاء المقاهي هو تنوعاتها وخصوصاً في المراكز المدينية . والمقهى في العراق فضاء يتمركز فيه التنوع والاختلاف . ودخول البحار للمقهى كمكان يمثل محاولة للوصول إلى قلب المختلف ثقافياً / دينياً / سياسياً . ويرجح الدخول للمقهى من الحوار مع الآخر ، عبر الجسد الموجود هنا ، بواسطة الجسد الذي جاء من هناك [ إذا افترضنا بقوة بأن الميناء في العراق ] . وهذا هو حلم البحار السويدي ليكسب حواراً جديداً يضاف لحواراته القديمة والكثيرة ، حوار حول الأمكنة وما تنتجه من خبرات ومعارف . الجنس واحد من أهم المدخرات الشفاهية والكنوز المخفية .

مقالات ذات صلة