قراءة في رواية “سيليا” الأدب باعتباره ذاكرة تؤرخ للألم

إلياس الخطابي
رواية [سيليا] هي أول عمل روائي للكاتب المغربي عبد الوهاب حداشي، وتتناول موضوع العنصرية والاضطهاد الذي يعانيه الإنسان ذو البشرة السوداء في المغرب. يُعد الصراع العرقي قضية عالمية، غير أن تأثيراته في العالم الثالث تكون أكثر حدة، بحيث اللاوعي الجمعي في المجتمعات غير الواعية يدفع الأفراد إلى إعادة إنتاج الثقافة التي نشأوا عليها دون تمحيص أو نقد. وكل ثقافة تحتاج إلى غربلة مستمرة، بهدف تصفية ما هو سلبي وتجديد ما هو إيجابي، لأن غياب النقد والركود الثقافي يؤديان إلى الجمود والانحدار.
من خلال الرواية، يتضح أن الصراع الحقيقي ليس هو الصراع العرقي المباشر الذي يجعل البطل أمين يخسر حبيبته بسبب اختلافه العرقي عنها، بل هو صراع بين الجيل الجديد والجيل القديم. فالحبيبة المنتمية إلى الجيل الجديد، لا تجد أي مانع في الزواج بحبيبها رغم اختلاف لون بشرته، لكن العائق الأساس يأتي من العائلة، وتحديدًا الأب، الذي يتمسك بتقاليد القبيلة التي ترى الزواج مسألة جماعية وليس فردية. يعكس هذا التوتر الفجوة بين جيلين لكل منهما نظرته الخاصة للحياة والوجود، مما يخلق صدامًا يعيق تحقيق الأحلام ويؤدي إلى شعور الجيل الجديد بالاضطهاد وعدم التفهم.
من الجدير بالذكر أن تصنيف أي عمل أدبي بين “جميل” و”رديء” ليس بالأمر الدقيق، فكل نص يحمل خطابًا فكريًا ينبغي التركيز عليه بدلًا من الحكم الجمالي السطحي. الأدب في جوهره هو انعكاس للواقع، والكاتب في هذه الرواية ينطلق من معايشته للواقع الاجتماعي المحافظ الذي يرفض التغيير والتلاقح الثقافي، بينما يتبنى الجيل الجديد قيمًا أكثر انفتاحًا وقبولًا للاختلاف. عبر هذه المعالجة، يثبت الأدب أنه ليس مجرد وعاء للغة وأساليبها، بل هو أداة لتطوير الوعي الاجتماعي والمساهمة في التغيير والتنمية الثقافية.
على مستوى البناء الفني، نجح الكاتب في تقديم نص متماسك، واتسم إيقاعه بتوازن ملحوظ، وهي ميزة ليست من السهل تحقيقها. كما أن الرواية لم تكتفِ بتقديم الواقع الخارجي، بل غاصت في العالم الداخلي للشخصيات المجروحة التي تصارع آلام الحياة، وتحاول إيجاد العزاء في الحب، قبل أن تأتي القوى الخارجية لتجهض هذا الأمل كما تجهض أحلامًا كثيرة أخرى.
في الختام، سيليا ليست مجرد رواية عن العنصرية، بل هي شهادة على صراع الأجيال، وعلى العوائق الاجتماعية التي تمنع الأفراد من تحقيق ذواتهم. كما تؤكد أن الأدب ليس مجرد متعة، بل هو ذاكرة تؤرخ للألم، وتفضح العراقيل التي تعيق السعادة والتقدم، وتسجل صرخات من يعانون في صمت.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة