الأخبار العاجلة

مزيد من الجهل و”العلماء”

للوهلة الأولى يبدو العنوان مضطرباً ومتناقضاً، فكيف يجتمع الجهل مع أهل المعرفة والعلم (العلماء). لكن عندما نتعرف على طبيعة ونوع من تطلق عليه هذه الصفة في مضاربنا المنحوسة، ستتوضح طلاسم هذا العنوان، بعد أن استأثرت به شريحة رجال الدين (الكهنة)، ولذلك أسباب تاريخية يعرفها المطلعون على حال واحوال هذه المجتمعات، وما مرت به من مراحل مظلمة، جعلت من يجيد القراءة والكتابة شخصاً استثنائياً وسط محيطات هائلة من الأمية والغيبوبة والشعوذة والضياع، حيث تختصر لنا عبارتهم في وصفه (يفك الحرف) مقدار دهشتهم من قدراته ومواهبه الفذة. في مثل تلك الاحوال انتزع السدنة هذا اللقب الرنان (علماء الأمة). صحيح انه قد ظهر لدينا شخصيات تاريخية لامعة اجتمعت عندها المعرفة العميقة بشؤون الدين والدنيا، وأعملت العقل والضمير في التعاطي مع هذين المجالين المختلفين في همومهما واهتماماتهما، مثل ابن رشد على سبيل المثال لا الحصر، لكن بعد النهاية التراجيدية لهذه الشخصية الفذة، طوب هذا اللقب (علماء الأمة) الى شريحة كل موهبتها تقتصر على نقل وتدوين القيل والقال وعن فلان قال، لينتهي بنا المطاف الى من حول الفردوس المفقود (الخلافة) الى واقع على ولايات العراق والشام (داعش).
مثل هذا الاستئثار بلقب (العلماء)، في عالم أصبح فيه عمر المعلومة أحياناً لا يتجاوز عمر الفراشة؛ يعد مفارقة من العيار الثقيل، لكن على تضاريس مضارب غطت شعوبها بسبات امتد لأكثر من ألف عام وعام، واغتربت عما يحيط بها من أحداث وتحولات وزحزحات علمية ومعرفية وقيمية؛ يصبح أمراً مألوفاً ومتناغماً مع فولكلورها الوطني في مجال الثوابت والرسائل الخالدة. بالرغم من الزيادة الهائلة في عدد المنتسبين لهذه الشريحة بعد حقبة “الفتح الديمقراطي المبين”، وما رافقها من تورم غير طبيعي في عدد الحاملين للألقاب الأكاديمية والشهادات العليا وبنحو خاص في مجال العلوم الإنسانية؛ إلا أن كل هذه السيول (العلمائية) بشتى أزيائها ورطاناتها، لم تترك أثراً يمت بصلة للعلم والمعرفة والعقلانية لدى جمهور المستهلكين، وهذا ما تشير اليه كل المعطيات والتقارير المحلية والدولية المهتمة بما انحدرنا اليه من حال واحوال.
عندما نتصفح شيئاً من تجارب الشعوب والأمم التي ارتقت بمستويات العيش الحر والكريم في بلدانها، نجدها جميعاً قد استعانت بأفضل ما لديها من عقول نيرة وضمائر حية وشخصيات مجبولة على الإيثار وخدمة الشأن العام. وهذا الوطن القديم (العراق) لم يعدم يوماً من مثل هذه الشخصيات المترعة بالثراء العقلي والشجاعة وروح المسؤولية، لكنها المعايير والقيم التي كرستها قرون من الإذلال والعبودية، ما زالت تقف بالمرصاد لهذه القوى التي تشكل سر حيوية الأمم والشعوب في كل زمان ومكان. لذلك نجد كل هذا اللبس والغموض الذي يلف مثل هذه المواقع والعناوين، حيث يشغلها هذا الكم الهائل من أشباه “العلماء” من شتى الرطانات والأزياء. وهو ما يفسر وجود أعداد واسعة من العلماء والملاكات العلمية والإدارية الرصينة خارج العراق، وقد تبوأ غير القليل منهم مواقع مهمة في تلك البلدان، بعد أن قطعوا الأمل في إمكانية وضع مواهبهم وخبراتهم المجربة في خدمة بناء ما يفترض أنه “عراق جديد” وبعد أن تأكدوا من طبيعة المناخات الطاردة لكل ما يمت للعقل والنزاهة والعلم والإيثار بصلة، ومع مثل هذا الخلل الفكري والقيمي أو ما يمكن أن نطلق عليه بـ “حوسمة الدمار الشامل” يصبح أمر العراق الجديد حديث خرافة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة