تفاعل الموجودات وانسنتها في «بستان الآهات»

علوان السلمان

الشعر ان (يخالف اللفظ معناه)على حد تعبير بن فارس، كونه فعل يعلن موقفا فيسجل حضوره المتجاوز للمألوف بتعبيره عن حالة نفسية، انفعالية مشحونة بشحنة ابداعية واعية، ودلالة انسانية تستدعي المستهلك(المتلقي) التأويل واستنطاق ما خلف الالفاظ بفتح مغاليقه والوصول الى معانيه ودلالاته، عبر خيال ولغة تحدد الانتماء الى مساحة الابداع الذي هو شرط تحقيق الشعرية المتسائلة،المكتظة بقلق المنتج(الشاعر) المتوهج بتجلياته الذاتية الكاشفة عن صيرورتها الواعية جدليا،القائمة على طرفي التقنية الفنية والجمالية المستفزة للذاكرة لتحقيق المتعة الروحية والمنفعة الفكرية،مع استلهام المتناقضات التي تمتد على خارطة الجسد الاجتماعي.

  وباستحضار المجموعة الشعرية التي انتجتها ذاكرة الشاعر خلف دنف الحديثي، واسهمت مطبعة اليسر في نشرها وانتشارها/2019..كونها تكشف عن بنية اشارية قوامها اللغة الشعرية التي تنقل متلقيها الى أفق تصويري، ايحائي يخاطب الذات المقترنة بالذات الجمعي الاخر وحثها على الاستفاقة من سباتها بوحدة موضوعية فيها كل بيت يقتنص تيمته من البيت الذي يليه والذي يسبقه خدمة للمضمون النصي، وهذا ما يوحي به معجمه الشعري الذي تتوزع مفرداته بين حقلين دلاليين: اولهما: مرتبط بالذات الشاعرة ابتداء من العلامة السيميائية والايقونة العنوانية  المؤنسنة التي شكلت من الناحية التركيبية جملة اسمية مضافة حذف احد اركانها، اما من الناحية الدلالية فقد اقترنت بذات المنتج (الشاعر)، وثانيهما: دال مرتبط بفضاءات المنتج (الشاعر) المفتوحة..

تورعي في دروب الروح والــــــــذات

ولملمي الورد من بســــــــــتان آهاتي

وسافري في غيوم الوهــــم حيث أرى

وجهي ووجهك مرسوما بنجــــــماتي

غوصي بخط يدي واستعمري جسدي

وفجري لونك الوردي مـــولاتي

وطرزي ثوبك المائي في حلمي

ليرقص العطر مثمولا بغاباتي/ص72

  فالشاعر يرصد الحالة المتحولة عبر زمنين: احدهما نفسي، وثانيهما فيزياوي بلغة السهل الممتنع، كونها وسيلة للتعبير عن الذات المهمومة ولا غاية لها في ذاتها، كما يقول الرومانسيون من الشعراء، اما من الناحية التركيبية فيهيمن عليها ضمير المخاطب الذي ينفصل عن ذاته لاحقا ليخلق ذاتا مضافة ليحاورها ويجد نفسه فيها،وهذا ناتج من ظلم الواقع والحياة والغربة الذاتية داخل وجودها الاجتماعي، اضافة الى مزاوجته ما بين الجملة الفعلية الدالة على ذاتها المتجددة واستمرارية الحدث،والجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والاستقرار، وهي مرتبطة بوجدان الشاعر، وهذا يكشف عن افادته من النص القراني(قالوا سلاما..قال سلام)/هود/69..فضلا عن ان الشاعر(المنتج) يعتمد اسلوبا جامعا ما بين الاسلوب الخبري الذي يترك فيه الشاعر العنان للنفس للتعبير عن ذاتها وما يختمر في دواخلها، والاسلوب الانشائي الذي فيه يبوح الشاعر عما يخالجه باستخدام اساليب متعددة منها، النداء والتكرار، كقوله:

فانت وحدك انثى البوح تشغلني

وانت وحدك فيها يحتفي شعري/ ص18

وله:

يا نديم الامس في صمت الرؤى

أنت بدر الروح في روحي اكتمل /ص221

  فالشاعر يبني نصه على البحور الخليلية المركبة التي تنسجم وغرض النص، اضافة الى انها تحقق ايقاعا خارجيا والقافية، اما الايقاع الداخلي  فينحصر في التكرار الذي يعد صورة من صور التناسق الجمالي الذي يسبغ على النص نوعا من الايقاع المعبر عن صدى الذات المنتجة،المستنطقة.. المستفهمة،والذي يسهم في تعميق النبرات الموسيقية والدلالة، باستثناء نص الشاعرة(هديل الدليمي) المضاف احتراما لشاعريتها ودعائها للشاعر بعد ازمة مرضية، والذي تكسر فيه الشاعرة الشكل التتابعي لتجعل من قراءته قراءة تعاقبية، كي توهم متلقيها بحداثية بنائية، وهذا النظام هو تشكيل شعري اعتمده شعراء التفعيلة باعتمادهم البنية الايقاعية المتحركة بدل البنية الوزنية الثابتة، كون الشاعرة تنثر تفعيلات البيت الشعري فيطول او يقصر، والقافية هي الكاشفة عن انه فراهيدي البناء..

قالوا مريض؟قلت ما لي؟

وهممت اعتزم ارتحالي

فحبست عبرة ناظري

وسرت انتعل الخطى

فتضيق بي سبل اعتدالي

نفدت قوارير الهواء

تشعبت علل  البكاء

وصار يرتعد انفعالي

وكأن ذاك الداء احجم

نائيا

نحوي

فأطربه احتلالي    /ص10

  فالشاعرة هنا تنقل مشهدا سيميائيا يصور الاشياء التي توثق الواقع وتلفه بالحزن من خلال امتلاكها قدرة الحلول في النفس واتخاذها بؤرة تتمركز فيها هموم الذات التي امتلكت القدرة على أنسنة عناصرها بإسناد الافعال والصفات لها، فضلا عن انها تدخل سايكولوجية التواصل الشعري بوصفها خطابا غنيا بالدلالة، لتحقيق الاقناع والامتاع في نصها الموائم بين الموقف الشعري والايحاء النفسي من خلال توظيفها المفردة الشعرية اليومية ذات الدلالة الجمالية، التي تلامس ذاتها المشحونة بجوها التأملي المأزوم..

من انا واللــــــــيل مأوى لوعتي

كي أراني صوت ذكـــرى لم أزل

يا نديم الامس في صمت الرؤى

أنت بدر الروح في روحي اكتمل

قل لليــــلى انـــــــما لــــــيلى أنا

صرت فيها تضرب الناس المثل

يا نديمي فوق اهـــــدابي الندى

قل متى القاك بل قل لي وهل / ص221 ـ ص222

   فالشاعر يمزج في صوره الشعرية التخييلي والحسي ليخلق موقفا يطرح فكرا ويكثف تجربة بلغة تحمل روح الموروث وفصاحته مستعينا بقدرته اللغوية ورؤيته الشعرية المتصلة بطبيعة تكوينه الفكري والروحي،لذا فهو يتفاعل مع واقعه بكل موجوداته عبر توظيف ضمير الغائب ليجعل من المتلقي حاضرا بوجده ووجدانه،متأملا ومنقبا في ثنايا النص للكشف عن كوامنه وحل رموزه، كونه نص مفتوح بتجاوزه الازمنة واشتغاله على آليات ابداعية تمازج ما بين الذات الموضوع وفق اشتراطات فنية بألفاظ بعيدة عن الضبابية، فضلا عن انه يوظف هواجسه عبر مشاهده التأملية،الكاشفة عن المضامين الموحية عبر خيال محفز لعملية الخلق الشعري..

  فالشاعر الحديثي في نصوصه يكشف عن لحظة انفعالية تجنح الى الايجاز والتركيز وهي تتكئ على محمولات لفظية تكشف عن صور حسية(بصرية) تنطلق من الاطار الذاتي وتبلغ ذروتها معانقة التجربة الانسانية، فضلا عن تصديها للقلق والتمزق بوعي الازمة التي تحيطه فيتعامل معها بواقعية ليحقق الرؤية الشعرية بالاقتراب من اليومي وتفصيلات الواقع بكل تناقضاته …

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة