مستقبل التيارات الإسلامية في السودان في مرحلة ما بعد البشير

محمود جمال عبد العال

يشهد الإسلام السياسي السوداني بعد البشير حالة من الترقب والقلق خاصة أن قوى التغيير التي قادت حالة الاحتجاج تتهمها بالوقوف خلف سياساته طوال الفترات الماضية. ونجح التيار المدني في السودان بزعامة تجمع المهنيين في ضمان التعبئة والحشد في الاحتجاجات التي شهدتها السودان وأدت إلى عزل الرئيس السوداني «عمر حسن البشير» المحسوب على التيار الإسلامي. سنتناول في هذا التقرير مستقبل التيارات الإسلامية في السودان في مرحلة ما بعد البشير، وذلك من خلال تتبع العلاقة التي جمعت بين البشير والتيارات الإسلامية خلال الفترات الماضية، وتحليل نقاط القوات التي لا زالت تتكئ عليها هذه التنظيمات.
مواقف غامضة .. علاقة البشير، والتيارات الإسلامية
برغم أن انقلاب «البشير» في عام 1989 قام على الدعم المباشر للإخوان المسلمين إلا أن استمرار حكمه قام على الاستثمار في كل ما له علاقة بالدين، وهو ما يظهر في نمط تحالفاته التي جمعت بين جميع التيارات الإسلامية.
وبرغم ذلك، شهدت العلاقة بين «عمر البشير» والحركات الإسلامية توترًا ملحوظًا في فترات حكمه الأخيرة، وذلك بفعل سياسات البشير التي أظهرته وكأنه يبعد عنهم. ويعتبر البعض أن ذلك كان مفسرًا لبرود موقف الإسلاميين من «البشير»، ودعمهم المتأخر لتحرك الجيش ضده، ومن دلالات ذلك:

  1. أثار هجوم البشير في فبراير/شباط على قانون النظام العام حفيظة الحركات الإسلامية التي اعتبرته تباعدًا من نظام البشير عن تطبيق نظام الحكم الإسلامي الذي تهدف إليه. وقد نسب البشير تصاعد المظاهرات التي اودت بنهايته في الأخير إلى قانون النظام العام.
    وعد «البشير» هذا القانون بانه ضد الشريعة بنسبة مائة وثمانون درجة مما جعل بعض المراقبين يتوقعون إلغائه خاصة فيما يتعلق ببند الزي الفاضح الذي كان محل جدل في الأوساط الاجتماعية السودانية(1).
  2. زادت زيارة «البشير» إلى دمشق من حالة السخط داخل أوساط الحركات الإسلامية السودانية التي كانت تدعو في أوقاتٍ سابقة إلى الجهاد في سوريا ضد الرئيس «الأسد».
  3. برغم نفي البشير موافقته على فكرة التطبيع مع إسرائيل مقابل حل المشكلات الاقتصادية التي تغوص فيها السودان إلا أن الحركات الإسلامية السودانية أصابها الشكوك تجاه الموقف السوداني الرسمي من هذه العروض خاصة أن نفي «البشير» موافقته على دعوات التطبيع التي انتشرت بكثافة على وكالات الأنباء العربية والعالمية جاء متأخرًا مما يوحي لهم باستعداد «البشير» على الإقدام على هذه الخطوة التي تمثل خطًا أحمرًا للشعب السوداني برمته سواءً الإسلاميين أو غيرهم.
    وبرغم أن حكم «البشير» اعتمد على دعم الحركات الإسلامية منذ تأسيس نظام الإنقاذ الذي هندسه «حسن الترابي» الأب الروحي لحركة الإخوان المسلمين السودانية إلا أن هذا التيارات تلونت كثيرًا طوال فترة الثلاثين عامًا، حيث انشق «الترابي» عن حزب المؤتمر الوطني الحاكم وأسس حزب المؤتمر الشعبي كواجهة سياسية لمعارضة «البشير». وبرز دعم الإسلاميين لتحرك الجيش ضد البشير وكأنه محاولة منهم لإنقاذ النظام خاصة أن أغلب قيادات الجيش المسئولة عن إدارة المرحلة الحالية نشأت في ظل تجربة حكومة الإنقاذ. ويتأكد ذلك بإقدام وسائل الإعلام المحسوبة على التيار الداعم لتجربة الإسلاميين في السودان مثل قناة الجزيرة القطرية بتحميل الأزمة السياسية برمتها للبشير وحده مما يعني سعيهم للحفاظ على الوجود السياسي للإسلاميين مقابل التضحية برأس النظام فقط. التيارات الإسلامية السودانية في مرحلة ما بعد البشير
    تُمثل المؤسسات الموازية جوهر قوة الإسلاميين في السودان، لذا تدعو قوى التغيير إلى حلها بوصفها تمثل دولة الإسلاميين الموازية التي نشأت برعاية حزب المؤتمر الحاكم مثل:
  4. قوات الدفاع الشعبي: أسس نظام الإنقاذ قوات الدفاع الشعبي بمنأى عن قيادة الجيش، وقد لعبت هذه القوات دورًا كبيرًا في قمع الاحتجاجات في بداياتها، واصطدمت في أحيانٍ كثيرة بالقوات النظامية التي كان يحتمي بها المتظاهرين. وتشير التقارير إلى أن هذه القوات لعبت دورًا مهمًا في الحرب الأهلية السودانية التي بدت وكأنها صراع بين دولة الإسلام والكفار. وبالفعل اُستخدمت شعارات الجهاد لتعبئة وحشد الشباب لقتال الجنوبيين، وانتهى دورها في هذه الحرب بانفصال جنوب السودان في عام 2011. (2)
  5. الاتحاد الوطني للشباب: يعتبر قادة الحراك وقوى التغيير أن الاتحاد الوطني للشباب كان أهم المؤسسات التي تمد حزب المؤتمر الوطني بالكوادر الشبابية. ويُعد الاتحاد الوطني المعبر الرئيس للقيادات المستقبلية في دولاب الدولة. وغلب على قيادات هذا الاتحاد ومنتسبيه الطابع الإسلامي المميز للحزب الحاكم، وقد حظي الاتحاد بدعمس مباشر من «البشير» نفسه.
  6. الحركة الإسلامية: تُعتبر الحركة الإسلامية السودانية الذراع الديني لحزب المؤتمر الوطني. وتأسست الحركة عام 1954، واحتفظت باسمها الحالي منذ عام 2004. وأُسند إلى الحركة تربية جماعة من الناس للوصول إلى الحكم، وبالفعل نجحت في هذه المهمة؛ إذ ينتمي لها «البشير» ورفاقه في انقلاب 1989، ورغم نجاح الحركة في تحقيق هدفها بتنشئة العصبة المؤمنة التي ستطبق نظام الحكم الإسلامي إلا أنها استمرت كمرجعية فكرية لحزب المؤتمر الوطني الذي تأسس عام 1991.
    وقبيل إعلان وزير الدفاع السوداني السابق «بن عوف» عزل البشير، بادر الأمن السوداني بمداهمة مقر الحركة واعتقال عددٍ من عناصرها(3).
    في هذا الصدد، يدعو المحتجون أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة إلى حل هذه المؤسسات، إلى جانب مطالبتهم بحل قوات الدعم السريع، وحزب المؤتمر الوطني، والكشف عن أرصدتها وتحويل الفاسدين منهم إلى محاكمات عادلة.
    ويبدو أنه أمام رئيس المجلس العسكري الانتقالي الحالي الفريق «عبد الفتاح برهان» تحديًا كبيرًا يتعلق بتفكيك هذه المؤسسات خاصة أنها نشأت في ظل مرحلة التمكين التي تتبناها الحركات الإسلامية.
    وفي السياق ذاته، يخشى الإسلاميون في السودان من تصاعد الدور السياسي لجناح اليسار؛ إذ قال «سامي عبد الدايم» الأمين السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في السودان أن الحزب الشيوعي كان لديه خطة انقلابية بديلة من خلال عناصره داخل الجيش، واعتبر أن تعجيل حركة الجيش والأجهزة الأمنية أجهض هذه التحركات(4). وبرغم دعم الحركة لقرارات الجيش إلا أنها تحذر في الوقت نفسه من الاستجابة لضغوط المعارضين والتلاعب بمواد الهوية في الدستور الجديد الذي دعت باستبداله بدستور 2005 الذي ينسجم مع الهوية الإسلامية.
    ويبدو من ردة فعل الإخوان المسلمين على الأحداث الأخيرة أنهم يحاولون بطرقٍ مختلفة التنصل من أخطاء «البشير» لا سيما أن قوى اليسار تحسبهم عليه بسبب دعمهم له طوال الفترة الماضية فضلًا عن مشاركتهم في الحكومة ومؤتمرات الحوار الوطني التي كان يدعو لها. وتعتبر الجماعة أن حكم البشير بدأ بداية مشرقة إلا أنه انتهى نهاية محرقة.
    وتشير التحليلات القادمة من الشارع السوداني إلى صعوبة اختفاء الإسلاميين في السودان من على الساحة السياسية لأنهم تمكنوا طوال الثلاثين عامًا الماضية من مفاصل الدولة وأجهزتها إلا أن دورهم قد يشهد تراجعًا ملحوظًا في تشكيل المشهد السياسي الحالي(5). تجدر الإشارة إلى أن الإسلاميين صعدوا للحكم عام 1989 بعد نجاحهم في تنفيذ انقلاب عسكري على حكومة «الصادق المهدي»(6).
    ختامًا، قد تشهد المدة المقبلة تراجعًا في الدور التأثيري الذي لعبه الإسلاميون في السودان طوال الفترات الماضية، ولكن من الصعب القضاء كلية على أنشطتهم خاصة أنهم تمكنوا طوال الفترات الماضية من الانتشار والتغلغل فكريًا ومؤسسيًا في جسد الدولة السودانية.
    من ناحيةٍ أخرى، لا يُمكن أن نُصنف الحالة الإسلامية في السودان أو نحسبها على أحد الأطراف كونها معقدة ومتشابكة، فهناك أحزاب وحركات مارست السلطة فعليًا مع حزب المؤتمر كالحركة الإسلامية السودانية، وهناك من دعمه من دون المشاركة، وهناك من انشق عنه كليه وأسس جبهات معارضة مثل حركة الاصلاح، وحزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه «الترابي» . وتترقب هذه التيارات حاليًا ما قد تؤول له الأحداث بعد تصاعد الأصوات المناوئة لهم خاصة من تجمع المهنيين الذي يتهموه بمحاولة اقصائهم.

الهوامش

  1. اتجاه لإلغاء مادة “الزي الفاضح” في قانون النظام العام السوداني
  2. حسام بدوي، هل يحل المجلس العسكري في السودان مؤسسات النظام السابق؟
  3. الجيش السوداني يداهم مقر «الحركة الإسلامية» بالخرطوم
  4. طه العيسوي، «عربي21» تحاور «إخوان السودان» حول موقفهم من تطورات المشهد.
  5. المعارضة السودانية توحد الصف والإسلاميون أقل تأثيرا
    مرتضى كوكو، خبراء: نهاية مذلة لـ»الحركة الإسلامية» السياسية بالسودان
    المركز العربي للبحوث والدراسات

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة