الأخبار العاجلة

روسيا اقتنصت افتعال الغرب للازمات في الشرق الأوسط لتستعيد دورها المؤثر فيه

قراءة لما بعد دورها في احداث سوريا

لورانس رايت *
ترجمة ـ سناء علي:

فيما يرجح البعض من المراقبين بأن مجريات الشرق الأوسط الحالية تتجه صوب تعقيدات اكثر، لن اتفاقات خفية تحكم العلاقات القائمة بين اميركا وروسيا، يرى بعض آخر ان الأولى أخفقت في سياساتها التي اتبعتها في هذا الشرق، لتستغل الأخيرة هذا الإخفاق في استعادة دورها السابق الذي خسرته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
هنا قراءة لكاتب أميركي متعدد لدور روسيا في الشرق الاوسط :
اعادة رسم خرائط توزيع النفوذ من قبل الدول العظمى في منطقة الشرق الاوسط عبر افتعال العديد من الازمات والقضايا الجوهرية الخطيرة , لم يكن من السهل ان تمر على روسيا مرور الكرام، سيما بعد ان وجدت في تلك الازمات الفرصة الذهبية كي تعود لدورها الاول في السياسة الدولية والإقليمية، وخاصة بعد أحداث الثورات العربية والربيع العربي وحروب سوريا والعراق .
الجدير بالذكر أن السياسة الروسية تجاه المنطقة تم استثمارها لتعظيم المكاسب الاستراتيجية في مواجهة العديد من القوى الدولية الغربية، عوضا عن تحسين الوضع الداخلي الخاص بها اقتصاديا وعسكريا , وفي نفس السياق، عملت روسيا على توثيق علاقاتها مع دول المنطقة، وتحديث قائمة حلفاءها، بما يتضمن دول عديدة حليفة أيضا للولايات المتحدة الأميركية؛ حيث قدّم الروس نموذجا أكثر قوة وإصرارًا ووضوحا اجتذب حلفاء قدماء وحاليين لأميركا، وأعداء لها في الآن نفسه.

  • عن صحيفة ( ذا وول ستريت جورنال ) الاميركية

ولعل هشاشة النظام الاقليمي للشرق اوسطي كان له دور رئيسي بعدم خسارة روسيا امكانيات لوجستية كبيرة لتحقيق مكاسب عديدة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى الرغم من حجم المشاكل الاقتصادية التي تواجهها موسكو إلا أنها أصبحت ذات وجود مؤثر على خريطة السياسة العالمية؛ حيث عادت روسيا لتلعب دورًا فاعلًا، وتتخذ مواقفًا واضحةً في العديد من القضايا الدولية والإقليمية.
ولكن هل اعادة رسم الخريطة الإقليمية والدولية وخلق تحالفات إقليمية ودولية وتطوير الروابط بينها وفق المتغيرات المستجدة على الساحة، كان من ضمن السياسات التي اتبعتها روسيا لتحقيق مكاسبها الداخلية على مستوى تحسين وضعها الاقتصادي اولا ودعم ومساندة حلفائها الرئيسيين في المنطقة ؟
بلا شك ان الوطن العربي برمته، من المناطق الغنية اقتصاديا جدا بالنسبة لروسيا، خاصة وسط وجود هذا الكم من الثروات النفطية والطبيعية , والتي ادركت روسيا بالفعل ان السيطرة على هذه المناطق سياسيا واقتصاديا يمثل السيطرة على ملف دولي اقليمي خطير .
كما اثرت سياسة الدب الروسي كثيرا بتوريد الاسلحة بشكل منتظم لحلفائه في المنطقة , خاصة بعد ان ادرك حساسية الشرق الأوسط، تجاه الصراعات التي قد تغير موازين المنطقة في لحظات .
ومحاولة روسيا الاخيرة بأنهاك الولايات المتحدة سياسيا وعسكريا عن طريق مزاحمتها في العديد من الملفات المثارة في المنطقة، لم يكن سوى جزءا من سياسة روسيا في المنطقة لأثبات دورها الفاعل .
ولم تكن عملية سحب البساط من واشنطن بالامر الهين على روسيا، الامر الذي تطلب منها دورا اكبر في نسج علاقاتها الدولية العربية ولعب دور اكبر سواء كان سياسيا ام عسكريا او حتى اقتصاديا كي تتمكن من ذلك، ويمكن تفسير العلاقات السياسية الروسية بأنها جاءت مناوئة في معظم مخرجاتها للتوجهات الأميركية في توجه لإنشاء نظام عالمي ديموقراطي أو بالأدق متعدد الأقطاب.
الوجود الروسي الذي تكلل بالنجاح في كل ما يخص مجريات الملفات المتعلقة بمستقبل سوريا السياسي والاقتصادي والعسكري , وخاصة بعد سلسلة الاجتماعات التي قامت بها روسيا في كل من استانة وسوتشي بجانب محادثات جنيف, كما عملت روسيا على تعميق تحالفاتها مع النظام السوري, وحافظت على علاقات ودية مع النظام التركي المناهض للأسد، كما عمقت علاقاتها السياسية مع طهران الحليف الأكبر للنظام السوري.
وأيضا، لا يمكن التغاضي نهائيا عن امر مهم وهو ان دول الشرق الأوسط هم أكثر الزبائن لشراء السلاح الروسي حيث تعتبر سوريا أكبر المستوردين للسلاح الروسي، اذ زودت موسكو دمشق بمعدات عسكرية تصل إلى 26 مليار دولار كما ساهم الاتحاد السوفيتي سابقًا في بناء الترسانة الكيميائية السورية، عوضًا عن ما حددته روسيا تجاه سوريا في شأن إعادة الإعمار بقيمة مئتي مليار دولار، والتي سترعاها روسيا مع كوريا الشمالية والصين وإيران.
اما فيما يخص الملف الايراني , فنجد ان روسيا كانت حليفا ممتازا لايران في العديد من القضايا أبرزها الملف النووي، الذي يمثل أحد أهم الملفات التي تواجهها الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ، كما وأخذت عبر دورها في الأزمة السورية بصورة رئيسية تحتل الصدارة في الحراك السياسي الدولي، سواء كانت في المحادثات مع واشنطن أم مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن مواقفها في مجلس الأمن الدولي.
ولا يمكن ان ننسى ايضا الدور الروسي في العراق، ففي عام 2012م وقع الكرملين على صفقة مع الحكومة العراقية تصل قيمتها إلى 4 مليار دولار، ويعد هذا الاتفاق أكبر صفقة تمت بدفعة واحدة فى عهد بوتين، حيث ساهم هذا الاتفاق فى جعل العراق ثانى أكبر مشتر للأسلحة الروسية.
وعلى مستوى صعيد العلاقات الروسية المصرية , فنجد ان روسيا وبالتحديد بعد أحداث 30 يونيو وقفت داعمًا للدولة المصرية ، وشهدت كل من روسيا ومصر زيارات على مستوى الرؤساء أو الوفود العسكرية, كما تم توقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين ، وتعزيز سبل مواجهة المخاطر الناتجة عن انتشار الإرهاب والتطرف.
كما وقعت السعودية مذكرة تفاهم مع روسيا لزيادة توطين الصناعات العسكرية. ويمكن القول بأن طرق الرياض أبواب موسكو عبر مطرقة صفقات التسليح والشراكة الاقتصادية يهدف إلى نية السعودية توسيع دائرة علاقاتها الخارجية مع روسيا بعد موجات المد والجزر في العلاقات بين الجانبين.
كل تلك العوامل السابق ذكرها مهدت الطريق لروسيا لاستعادة جزء كبير من دورها على الساحة الدولية، وتنطلق روسيا في هذا الدور من الحفاظ على مصالحها في مناطق نفوذها الرئيسية والعمل على فتح أطر جديدة للعلاقات في المرحلة القادمة.

  • لورانس رايت: كاتب سيناريو اميركي ، وروائي، وصحفي، وكاتب مسرحي، ولد في أوكلاهوما سيتي، بدأ مشواره المهني سنة 1979.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة