الأخبار العاجلة

عام جديد.. للمخاضات

في نهاية كل عام نزاول لعبة التمنيات، كجرعة عقار نستقوي بها على حموضة الاحداث ونكد الايام، ثم ندسها في حشوة اضطراباتنا لنجعل منها اسئلة صالحة لحسن الظن، والى احتمالات لا تتعارض مع منطق الاشياء، والى تهانٍ نبيلة ونظيفة مثل دمع العين.
وفي نهاية كل عام، منذ نيف والفين، نعيد قراءة حكمة الطفل النبي، ونشوف منها احوالنا وامتعتنا وسجلاتنا، ونستشرف منها طالعنا وايامنا المقبلة، فنتساءل أي عالم عجيب حل فينا؟ واية زلازل عصفت بنا؟ وماذا ينتظرنا من عالم واعوام؟ ثم نتواكل على غريزة البقاء بمواجهة تحديات الفناء والردة لنعطي المسيح بعض دين في رقابنا يوم حضّنا على المسرات، ودعانا الى ان يكون خبزنا كفافا «وعلى الارض السلام».
وهكذا ارتبطت هذه المناسبة، العام الجديد، بالتمنيات وبالمستقبل. فلو تأملنا دلالة ان يتمنى الانسان خيرا فاننا سنجد هناك مشغولية في المستقبل، فليس ثمة امنية موضوعة على توقيت الماضي الذي استنفد اماني كثيرة كنا قد اطلقناها عشية اعوام سقطت من التقويم، عدا عن ان في ماضينا، القريب، روائح غير طيبة، لا تُحسب على التمنيات بل على الترهات.
الى ذلك فان الامنيات تتخذ شكل جرعة من عقار مسكّن، إذ نقف على صفيح ساخن، بين ان نستأنف شوطنا على الخارطة، او ان نستقيل منها الى شراذم، فيما نحن متعددون في الانتماء والعقائد والاديان والملل والمراتب والاجور، وموحدون في الجغرافيا وفصيلة الدم وحنفيات الماء. نقبل بذلك لنربح انفسنا، او نرفضه لنخسر الحياة.
سيكون العام الجديدعام مخاضات عسيرة.. اليست هذه قراءة بلاغية إخبارية مكررة؟ فهل لهذه المخاضات علائم؟ يقولون، نعم، ثمة مؤشرات مسبقة لاحداث وتحولات في تقاويم هذا العام إذ تسبق بلوغ الاجنة أجَلها بعلامة الانقباض على الرحم والتمرد على مساحته وقدره، ويقولون، لا مفر من الاستعداد لاستقبال الوليد، والسعي الى تغيير معدات المشهد وتجديد مضامينه، وبخلاف ذلك-كما يقولون- فاننا حيال مصير اسود كانت قد سبقتنا اليه أمم انقرضت ثم نسيها التاريخ المكتوب.
تمنياتنا تتسع الى اغصان زيتون كثيرة، ورطب، لزوم ان نجددها ونتجدد فيها، بوصفها العلامة الدالة على اننا مخلوقات مسالمة، او على وجه الدقة، اننا ولدنا مسالمين قبل ان نتوزع الى اقدار متناحرة: ابرياء وجناة، مثلما توزع اصحاب يسوع الى ملائكة وشريرين.
**************
في كتاب الامامة والسياسة، رواية عن «قائد» جائر لقيَ فقيها أعمى في الطواف، والفقيه لا يعرفه، فامسكه القائد من يديه، وسأله: هل تعرفني؟ فرد الفقيه: لا أعرفك، لكن قبضتك قبضة جبار.
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة