الأخبار العاجلة

احتضان الموت!

عاصم جهاد

في زمن الخيانة والانحطاط والتخاذل والغدر والوشاية والتآمر والنكول والخنوع والسقوط والذل والقتل والذبح والتشرذم والنكوص والمرض والجوع والفقر والعوز والتهجير والنزوح والتجاوز والاتهام والابتزاز والتردد والعقوق والكذب والسرقة والانتهازية والمصلحية.. والعمالة والتملق والأنانية والاحتكار والتزلف والمساومة والظلم والجور والقنوط.. والمحاصصة والتناحر والتقسيم وغير ذلك.. في هذا الزمن تبرز الكثير من المواقف المشرفة التي تضطرنا الى التأمل والتوقف عندها، لأنها تفرض نفسها على المشهد الاجتماعي والسياسي والثقافي.. من بين كل هذا الركام.. هناك من ينتفض وينفض عنا غبار اليأس والتراجع والتخاذل والاضمحلال والتضليل والتمزق والانحلال والتردد.. ليصنع لنا تاريخاً جديداً وأملاً ومستقبلاً وضاءً، الأسماء والشخوص هي التي تصنع التاريخ وليس العكس!

هناك من يضع حداً لحياته من أجل أن تستمر حياة الآخرين.. هناك من يسترخص روحه من أجل بقاء الوطن، هناك من يحتضن الموت.. حتى لا يحتضر الآخرون.. هناك من يسقط.. لينهض الجميع.. هناك من يتطوع لشراء الموت نيابة عن أهله وجيرانه وأبناء وطنه.. والسؤال الذي يدعونا الى طرحه هو: ترى ما الذي يدعو شاباً في مقتبل العمر الى التطوع والتبرع من دون تردد لإنقاذ مدينته وسكانها من خطر انفجار سيارة حمل كبيرة زرعت بكميات كبيرة وفتاكة من المتفجرات..؟ عندما قفز هذا الشاب بسرعة البرق ليجلس وراء مقود السيارة ويقودها الى مكان آمن ويبعد الخطر عن سكان المدينة وهوعلى يقين بأن هذه الشاحنة يمكن أن تنفجر في أية لحظة.. لكنه برغم هذا تطوع للتضحية بنفسه ليحمي الآخرين.. ليس طمعاً في وزارة سيادية أو خدمية أو شراء منصب يدر عليه ما لم يحلم به من أموال أو علاقات أو عقود أو إيفادات.. أو الحصول على ” تكريم” أو “رتبة” أو “ترقية” أو “مكافاة” وإنما قَبِل التحدي ومواجهة الموت لأنه كذلك.. خُلق للمهمات التي يتردد الآخرون في خوضها أما حباً في الحياة وزينتها أو جبناً أو تخاذلاً.. فكم شرطياً أو جندياً أو مواطناً احتضن إرهابياً واستشهد ليُبعد الخطر عن الآخرين، وكم مواطناً بسيطاً عاش مهمشاً لم يحصل على الحد الأدنى من حقوقه واستحقاقه في هذا الوطن.. لكن مع هذا .. يثبت لك في لحظة ما.. “رجولته” وعراقيته و شجاعته ووطنيته وإخلاصه وإيثاره من دون أن يصدع رأسك ليل نهار بالعنتريات والوطنيات والمحاصصة والتهميش والدستور والمادة “140” والتقسيم وسقف المطالبات العالية وحقوق الإنسان وووو…!!

قالوا..”فاقد” الوطن و”الوطنية” .. لايعطيها أو يمنحها للآخرين.. فالوطن لن يموت.. طالما كان يضم في ثناياه كثيرين من أمثال هؤلاء.. الذين لا يبحثون عن الدعايات والترويج لإنجازاتهم  ومشاريعهم الوهمية.. إن ما يقوم به هؤلاء لن ينافسهم فيه أحد باستثناء مَن سبقهم من الشجعان الذين لن تطفأ قناديل تضحياتهم الى حين يبعثون.

هناك صورة أخرى لرجل الرجال مواطن فلاح في العقد الثامن من عمره يدعى “الحاج كمال مصطفى كهية” رفض مغادرة بيته وتسليم قريته “براوجلي” التابعة الى ناحية “آمرلي” البطلة الى القتلة الإرهابين من دون أن يثبت لهم أنه ليس من طينة أولئك الذين يبيعون أرضهم وعرضهم للأغراب، وإنما هو من الرجال الذين يسترخصون دماءهم وحياتهم في سبيل الله والوطن… لقد قاوم الحاج كمال مع ولديه ببسالة وشجاعة واستشهدوا بعد أن نفدت ذخيرتهم.. دفاعاً عن شرفهم وأرضهم وعرضهم ومُثل بجسده.. وفي مكان آخر قريب منه كان صهره وحفيده الذي لم يتجاوزالستة عشر ربيعاً.. يستشهدان أيضا ،كان الشهيد الحاج كمال يدرك أن العدو أكثر منهم عدة وعدداً، كان بإمكانه الهروب والحفاظ على حياته.. لكن من شرب ونهل من “الغيرة” النقية الطاهرة يختلف كليا عمّن رضع الحقد والكراهية من المياه الآسنة…. هناك من باع وطنه بثمن بخس وهناك من يضحي حتى لا يسقط جداره… ما فائدة أن تربح المنصب وتخسر غيرتك وأرضك وعرضك و.. وطنك..؟ نم قرير العين يا حاج كمال.. أنت ومن معك.. على طريق الحق.. على طريق المجد.. هاهم أبناء قريتك ومن ساندهم من أبطال الجيش والشرطة والحشد الوطني.. يزفون إليك نبأ تحريرها وتطهيرها من دنس الأعداء.. سيفتقدك أبناء القرية وهم يدخلونها منتصرين.. سيفتقدون ابتسامتك الأبوية.. سيأتون إليك.. الى مكان استشهادك.. وهم يحملون إليك بشرى انتصاراتهم وصمودهم وبطولاتهم.. سيتحدثون عنك بفخر واعتزاز.. سيقبّلون الأرض التي رويتها بدمائك الزكية… الأطفال والشباب يتحدثون عن صمودك ومقاومتك.. وكيف رفضت الاستسلام والذل والخنوع، سوف تتناقل الأجيال حكاياتكم وبطولاتكم.. وكيف قايضتم الموت بالكرامة.. روحك وأرواح مَن معك من الشهداء سترفرف عليهم وعلى قريتك الآمنة، وعلى أشجارها العالية وعصافيرها وعلى حقولها وميائها العذبة… ستبقى ابتسامتك مرسومة على وجه مدينتك.. سيبقى صوتك يتردد في أرجاء القرية.. “هيهات من الذلة”!

ضوء

 هناك من يتسابق للفوز بالمجد والكرامة.. وهناك من يتسابق للفوز بالعار والذل !

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة