الأخبار العاجلة

مكونات الابداع في.. «لا أحد يشبه حالنا»

يوسف عبود جويعد

تساؤلات كثيرة تثيرها المجموعة الشعرية النثرية (لا أحد يشبهُ حالنا) للشاعر رياض الغريب,أين تكمن شعرية وشاعرية الشعر؟, وأين يكمن هذا السحر الأخاذ, هل في بناء النص؟, أم وحدة الموضوع؟, أم الثيمة؟, أم المفردة المنتقاة؟, أم الوزن ؟, أم القافية ؟, أم في وعي الشاعر وخبرته وثقافته؟, أم في إحساسه المرهف,هذه التساؤلات لا زالت قائمة الآن وتحتاج الى أجوبة , بعد تداخلت الموجات الشعرية , والانماط الشعرية المختلفة, العمودي, التفعيلة, النثر, وإنبثقت من تلك الأنماط حالات جديدة , تمثل التجريب والحداثة, حتى وصل الأمر في هذه التفاعلات الصحية , وهذا التنافس السليم , الى حالة من الحراك والتناوب في الظهور والجودة فيما بينها , فتارة تبرز القصيدة العمودية وتحتل موقعاً متقدما في المسيرة الشعرية, ثم تخفت لتظهر قصيدة التفعيلة, وتخبو الاخرى لتتقدم قصيدة النثر فتحتل الصدارة, وهي تشبه الى حد بعيد حركة الموجات المتلاحقة, موجة تغطي موجة وتسبقها لتأتي الاخرى فتجتاحهما, وهكذا هو حال الحركة الشعرية التي تشهد موجات عاتية من التنافسات , الا أنني وبعد أن انتهيت من قراءة هذه المجموعة , وجدت الأجابة لهذه التساؤلات التي كانت تشغلني طويلاً, حيث إكتشفت أن قوة نفوذ وطغيان هذه السمات, تكمن في الشاعر وليست لها علاقة بأدوات بناء النص وحدها , فهي ضرورة من أجل إنتاج النص لكنها لاتمثل القصيدة وشاعريتها وحسها المرهف , فالشاعر هو المقصود في العملية الشعرية , فقد إمتلك الشاعر رياض الغريب الملكية الشعرية , من خلال خبرته وهواجسه وثقافته ووعيه, وتجاربه الحياتية , وهمومه , وعشقه, وحبه للوطن, وإنشغاله التام بالقضايا المصيرية لهذا البلد, وما خلفته الحروب من ذكريات تدخل ضمن الحالة التي تلبسته, فصار يعيش الحياة شعراً, وهذه العوامل المتداخلة كونت التشكيلة الشعرية التي إتخذها مسار لتدوين النص, فهو يمتاز بالوضوح التام في البنية النصية والمفردة التي إختارها ,رغم إنزياحتها ورمزها وصورها الإستعارية , لتؤكد هذه الحقيقة, إذ أن الشاعر إذا دخل عالم الشعر وصار جزء من هذه التجربة , وأنصهر في إتونه, فإنه لا يحتاج الى التزمير والتطبيل وإختيار المفردات لانزياحية الثقيلة الرنانة , من أجل أن يتم قصيدته, ويكفيه أن يترك الإنسيابية والتلقائية تدخل الى أعماق وعيه ,وأعماق وجدانه ومن هناك تُستخرج الروحية والجمالية والبناء السليم للنص, وهو يمتلك كل السمات الصحيحة للشعر, فالشاعر رياض الغريب يدون النص الشعري بهدوئية عالية , ويدخل بناءالتكوين الشعري روحه وأعماقه ومن هناك يكتب , فهو يمتاز بالبساطة والوضوح في إختياره للمفردة , لكن هذه البساطة , وهذا الوضوح هو السهل الممتنع , لكونه يكتب بروحية شاعرية عالية , وتلقائية تنبع من الاعماق فتنساب القصيدة على مسامع المتلقي نغمات منسجمة متلائمة متوحدة تساهم في عملية البناء النصي , كما أن الشاعر إستطاع أن يستفاد من تجاربه الحياتية , وبالاخص الحروب التي عصفت بالبلاد , ليحيلها الى قصائد نثر , تحمل مؤثراتها وتاثيراتها وتختفي فيها حالة المباشرة , ونجد في اول نص شعري, وأظن أن الشاعر عمد أن يكون بلا عنوان ,لأنه يمثل الخط البياني لهذا النهج الشعري
كلما إنفجرت سيارة مفخخة
في ركن من البلاد
يتهشم زجاج بيتي
وتموت شجرة في حديقتي
لهذا
أقيم حداداً من الوجع
ومآتم لا تنتهي في قلبي
ثم نكون مع قصيدة ( غرفة 101 ) التي تؤكد لنا ما ذهبنا, وكيف أن الشاعر وظف هذه التجارب الحياتية ضمن مبنى النص الشعري, ليحيلها الى قصيدة شعرية مفعمة بالاحاسيس , حيث نكون مع الشخصية التي رسم ملامحها ضمن هذا النص , فقد بلغ العمر عتيا, وصارت حياته كتلة من التجارب, وكبرت زوجته , وهو يناجيها بعشق لا يحتاج فيه المتلقي الى شفرات لحل طلاسمها
أنت الآن بعيد عنها
لكنك ترغب بمشاكستها
والبوح لها بمغامراتك القديمة
وهي تضحك من تجاعيدك
في صورتك الأخيرة
وتقول:
إهدأ قليلاً,, انك اصبحت جداً
وأنا جداً
ارغب بالاستمرار
ارغب بكأس من عصير خمرتها
وعشقها الأبدي
ثم ننتقل الى القصيدة النثرية (إبتسم سالتقط صورة) وهي تقدم لنا حالنا ونحن نمر بكل هذه الحروب, التي تركت الأثر الكبير في نفوسنا , وصارت جزء من اوجاعنا وذكريات مريرة ولازالت تنغص حياتنا , وهكذا نراها ونحن نتابع مبنى هذا النص
بعد كل هذه السنوات
لن تختال الحروب سوى وجهي
أما قلبي
على الرغم من ندوبه
وشيباته
مازال صبياً
يركض في الحقول
وامارس حريتي في التجوال
مدعياً نسيان الندوب
وكل المعارك
التي طحنت روحي
وننتقل الى القصيدة النثرية ( بغل على جبل ماوت) التي تقدم لنا حالة من تلك الحالات التي لا يشبهنا فيها أحد , وتكون الحروب ثيمة لها , لنتعمق أكثر في هذا الجانب , حيث نعيش محاورة بين الشاعر وصديقه الشاعر ركن الدين يونس وهويحدثه عن آثار الحروب بعد الكبر
هل تصدق
ان البلاد تركتني على مفترق
اراقب حياتي
كفاصل لا ينتهي
هل تصدق إنني الآن
آمنت بأهمية البغل
في السرايا الجبلية
وأدركت لأول مرة في حياتي
إننا
أي أنا والبغل
الذي كان بإمرتي في ربية الطعمه
على جبل ماوت
تحت ثلوج شباط
وبعد ربع قرن صنوان
له رقم .. ولي رقم
أغلقت الهاتف متذكراً كل الثلوج
التي سقطت على رؤوسنا
دون أن يتذكرنا احد
ثم ننتقل الى حالة اخرى عبر مسارة بنية النص النثري الشعري (قليلاً من الأمل) والتي تؤكد في ثيمتها بإننا لا نملك القرار , وأن القرار للرئيس والمذيع
انك مغامر كبير
وعليك أن تمضي للنهاية
هي مجرد حرب قصيرة
سأعود منتصراً
وأنت مواطن صالح للحروب
واولادك مهيئون تماماً
لما أفكر به
الرئيس قادنا
والمذيع يقول
دمتم بحفظ الرئيس وأمنه
ناموا
الآن
أما قصيدة ( أبن العريف…..حرب) فإنها تؤكد الحقيقة الموجعة أن هذه الحروب سوف تستمر, وأن العريف سيتناسل حرب, ولا زالت البلاد تنوء بحمل كبير من المفاجآت .
عندما انتهت الحرب
صديقي العريف
قال
تصدق أو لا تصدق
أنا
حامّل بالحرب
ضحكت
وقلت ماذا ستنجب لنا
قال
حرباً صغيرة
من يومها
كلما مررت بشارع
رأيت ابن العريف
يتناسل
في البيوت
صوراً معلقة
وفي القصيدة النثرية (عبادان… لا احد يشبه حالنا ) في تضعنا بما لايقبل الشك بأن حالنا و وما نمر به , وما يحدث في هذا البلد , لا احد يشبه حالنا, وتدور القصيدة في هذا المحور , وهي تقدم لنا رؤية مختلفة عن الحروب .
لم تصادق القذيفة مثلي
لم تمنح لصديقي الوقت
كي نسير معا
نحمل طفل ارواحنا
نلوح للخراب
لصديقته
وداعا
ضمت المجموعة النثرية الشعرية(لا أحد يشبه حالنا) للشاعر رياض الغريب نصوص مختلفة طافت في اروقة الحياة , ونقلتنا عبر لغة شعرية نابعة من شعرية الروح والوجدان , وليس من هسيس القلم , لتؤكد هذه الحقيقة , أن شعرية القصيدة وإحساسها وجمالها وروحها وروعتها , تكمن في ذات الشعر وما يحمل من وعي وثقافة وحس مرهف , وهو يرى تقلبات الحياة امامه .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة