الأخبار العاجلة

الفن السابع

لا أظن أن هذا العصر يشجع على صناعة سينما جديدة، كتلك التي عرفها العالم في القرن العشرين. ولا أظن أن بإمكان بلد لم يعرف هذه الحرفة من قبل، إلا بشكل محدود مثل العراق، أن يشرع في إنتاجها الآن، حتى لو توفرت له الأموال والتقنيات، وكان لديه ممثلون ومخرجون وفنيون عاطلون عن العمل.
لقد انقضى عصر السينما، وإن لم تنقض تأثيراته في نفوس وعقول أجيال كثيرة مازال بعضها حاضراً. فقد كانت أفلامه تحمل أكثر من هدف، ليس أقلها تغيير قناعات المشاهد، وإيصال رسائل إليه، بشكل سريع وناعم.
وإذا كانت السينما توشك على الأفول، فإن الوريث الشرعي لها هي الدراما التلفزيونية. ثمة فوارق عديدة بين الاثنتين، لكنها بفضل التقنيات الحديثة تضاءلت كثيراً. ولم تعد المزايا التي تملكها السينما من ناحية التصوير، والمكان، والإخراج، قائمة الآن. إلا أن العناصر الأساسية في العمل التلفزيوني، مثل كثافة الحوار، وقلة المرئيات، وتعدد أشكال السرد، ماتزال تلعب دوراً مهماً حتى الآن.
وبشكل عام فإن صناعة السينما كانت تدعي أن مهمتها هي التسلية، وإمتاع المشاهد، ولا شأن لها بالقضايا الفكرية التي تشغل العالم. فالأشخاص الذين يعملون في إنتاج الأفلام لا يعنيهم هذا الأمر إلا بقدر ما يسهم في جودة العمل، وتحقيق أعلى معدلات النجاح. بيد أن من الواضح أن هذه الأفلام تقوم بالإيحاء بسلسلة من المفاهيم الاجتماعية التي ترسلها كمسلمات، رغم احتدام الجدل حولها في أماكن أخرى، مثل العري، والعنف، والجريمة، والحرب، والأيديولوجيا، التي قدمتها في القرن الماضي، وقامت بالتبشير بها، والتطبيل لها، طول ذلك الوقت.
ربما يكون فشل العراق في إنتاج السينما على مدى عقود طويلة، رغم إقبال العراقيين الشديد على دور العرض آنذاك، يعود إلى أنهم لم يكونوا في يوم من الأيام ميالين لترويج مثل هذه القيم، ولا راغبين في إعادة إنتاجها في بلدانهم. فبقيت عروضهم تدور حول مسائل اجتماعية جادة، خالية من المتعة والإبهار، لم تستهو الناس في الداخل، فضلاً عن الخارج. وكان يمكن لها أن تتطور لو أنها اقتحمت هذه الميادين، وخلطت بينها وبين الواقع، وقدمتها بشكل يلائم أمزجة الشارع.
ولأن السينما هي عمل تجاري يعتمد بالدرجة الأولى على شباك التذاكر، فقد بقي الإنتاج العراقي قاصراً عن التحول إلى سلعة نافقة. وتضاءل بمرور الوقت حتى اختفى من الساحة تماماً. وحتى صودرت دور العرض لصالح أعمال تجارية أخرى.
ربما ماتزال الدراما العراقية بحاجة إلى أن تعي هذا الدرس، وتستفيد منه، في ما إذا سمحت الظروف لها بالعودة من جديد. ومثل هذا الأمر يعتمد بشكل أساس على جهود إعادة الاستقرار التي يحاول العراقيون بشتى الوسائل دعمها في البلاد، والاستعداد لمواجهة المستقبل بشكل أكثر عقلانية وانفتاحاً.
محمد زكي إبراهيم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة