الأخبار العاجلة

سحر الطفولة في شخصية وأعمال جون نقاشيان الفنية

كريم النجار
يعد الفنان العراقي ارمني الاصل جون نقاشيان من الفنانين القلائل الذين يحملون هما ذاتياً وكونياً في آن واحد. ومع أن النقد الفني العراقي لم ينصفه أو يشر إلى منجزه وفرادته، لكنه بقي يتمتع بقابلية فذة على المؤالفة وتنشيط الذاكرة كلما أصابها عطب طارئ ليصهرها بالنتيجة في بوتقة الجمع، ويطل علينا بين فترات زمنية متباعدة بعض الشئ، ليقربنا كثيرا من سفوح هذه الذاكرة وخطوطها الشائكة.
درس ومارس فن الرسم منذ وقت مبكر “منتصف خمسينات القرن الماضي” ويصنف من الجيل الثاني للريادة التشكيلية العراقية، حيث شكل مع الفنان أرداش كاكافيان ثنائياً يدنو من الغرائبية وسحر الخيال التصويري في تناول الثيمة والاشتغال على السطح الجمالي للوحة. ومنذ رسوماته الاولى تولدت لديه النزعة الفطرية، أو التلقائية في رسم الأشكال، وكأن الطفل الكامن فيه هو من يخط تلك الاشكال ويحيطها بهالات نورانية تارة.. وتارة أخرى يمط أجساد شخوصه لتسبح عائمة على سطح اللوحة كأرواح مسحورة قادمة من زاوية بعيدة، أشبه بالاجساد المحلقة لشاغال رغم واقعيتها.
الشكل الإنساني هو السمة الطاغية في مجمل أعمال نقاشيان، وشخوصه هم من عايشهم وحمل سمات بعضهم كـالأب والأم والشعراء ومن عامة الناس، حتى حين تشتط فرشاته وتغور بعيدا في الرسم التجريدي الحر وبراعته في تقديم تفاصيل جديدة فيه، لكن حنينه يغلب دائما لرسم حركات البشر وسكناتهم، إيماءاتهم الشاردة وهواجس الخوف في نفوسهم، وكأنه ممثل يتعقب حركات الآخرين ويدونها بخطوط واضحة وغير منضبطة بسيلٍ لوني منقاد نحو تخوم هلامية لسبر عالم البشر الخفي والمستعصي الولوج بداخله.
من هنا تكمن فرادته ليس على صعيد الرسم العراقي، بل على صعيد التشكيل العربي وجرأته كونه فنانا يغوص في أعماق السؤال الإنساني ويفرد له اهتماماً خاصاً دون الوقوع في التزويق الشكلي، كأنه يعيش الهاجس اليومي بكل تجلياته، سواء حين كان صامتا وبعيدا عن دائرة العلاقات الفنية التي مسخت أثر تدخل الدولة والمؤسسات الفنية لصالح الهامشي من الفن وترسيخه لخدمة أغراض السلطة وثقافتها الشمولية داخل العراق، حتى مغادرته بلده منتصف تسعينات القرن الماضي، والارتحال إلى انكلترا التي أكمل دراسة الفن فيها إضافة إلى المانيا الغربية بداية الستينات، وأحياناً كثيرة تغلب روح الطفل المتخفية حتى بملامحه لتلامس أثر الواقع دون رتوش أو تزويقات تضعه كما هو على سطح اللوحة، كأنه يهمس لنا: هذا عالمكم هل لكم أن تتنصلوا من هوسه وفوضاه.
أقام الفنان عدة معارض في مقر إقامته الحالي في مدينة مانجستر، حيث عرض خلالهما مجموعة كبيرة من أعماله المشغولة حديثاً، ومن أعماله تلك التي يجسد فيها صديقه الشاعر الراحل حسين مردان في مقطع نصفي، يقترب بها حد التماهي والعرفان من شخصية الشاعر المتمردة والعابثة، حيث تهبط الألوان وتتشابك مع الخطوط القلقة من أعلى لتشكل عند كتلة الرأس تكوينا مشغولا بعناية وحساسية فائقة بعيون متسائلة تتأمل المكان وفم مفتوح على صدى كلمة في جملة منفلتة. وتدريجيا بعد أن يجتاز عتبة الرأس تهدأ فورة اللون والخطوط إلا نتف من بقع شفافة تمتثل مع روح الشاعر في موازنة تعبيرية تمثل صراعه ومكنون نفسه المتمرد والوديع في ذات الوقت.
وفي لوحة أخرى يصور فيها والده بنظرة ساهمة يكمن إشعاع غريب في عينيه، ويتشكل الوجه الذي يأخذ مساحة اللوحة كاملة على شكل دوائر وكتل لونية يمتزج فيها الأصفر مع الأزرق والأحمر وخطوط سوداء تشكل بمنحنياتها براءة الوجه والهالة التي تحوط بالرأس.
في هذا الوجه ثمة غرائبية واضحة وعمق خفي حيث تكمن في العينين وتكوينهما المجرد ذكريات تتقافز عبر النظرة الوادعة، وثمة تلقائية تعبيرية تتخفى تحتها ذكريات جمعية من زمن أراد أن يبقيه ثابتاً.
ولد الفنان جون نقاشيان في بغداد عام 1938.
درس الرسم في المانيا الغربية وانكلترا.
أقام معرضه الاول في ارلنكن في المانيا عام 1961، وشارك طوال العقد الستيني في معارض جماعية في مختلف بلدان أوروبا.. ومن ثم أقام معرضين شخصيين عام 1968 في لندن ومانجستر.. وتواصلت معارضه في العراق أعوام 1975 وعام 1980 ومعرضين في الاردن عامي 1996 و1999.، ومن ثم عرضت ولازالت تعرض أعماله في العديد من الغاليريهات في لندن وبعض المدن البريطانية، كما أقام معرضين شخصيين في الصين.
مقيم حاليا في مدينة مانجستر-

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة