الأخبار العاجلة

جلسة الصالون الثقافي العربي في النادي الدبلوماسي المصري لتكريم قيس العزاوي ومناقشة الأوضاع الثقافية العربية

(الحلقة الرابعة)
د. مصطفى الفقي:

الحقيقة الجزء الأخير من حديث الأستاذ السيد يسين يطرق على باب العلاقة بين الحياة السياسية وبين المناخ الثقافي. أتساءل وقد عشت في الهند سنوات، والهند معدل دخل الفرد فيها أقل من مصر والأمية منتشرة وحتى الآن ما زال هناك ناس فى «كلكتا» يولدون ويعيشون ويموتون على الرصيف. لديهم مشكلات ضخمة، لكن توجد جبهة عريضة للتنمية حققوا اكتفاء ذاتي في الحبوب الغذائية.. حققوا دولة نووية.. عملوا سفن فضاء.. أيضاً تمكنوا أن يكونوا ضمن العشر دول الأولى في العالم صناعياً.
السؤال المطروح الذي كان يناقشني فيه أحد أساتذتي يقول: لماذا استطاعت الهند دون باكستان أن تصبح دولة ديمقراطية؟ وكان دائماً يقوم بإحراجي ويقول أن الإسلام مسؤول عن هذا.. لماذا؟ لأن لديكم نظرية الشورى في الإسلام لا تطبقوها ولا تستطيعون، في الوقت نفسه لديكم حساسية من التجربة الغربية عموماً، وقد عملتم كما يقول المثل الشعبي «مثل اللي رقصت على السلم» ولن تطولوا شئ، شعب الهند فقير ورغم ذلك لديهم أكبر ديمقراطية في العالم.. ديمقراطية أسقطت رئيسة الوزراء في دائرتها – أنديرا غاندي- وأعادتها بعد سنتين نتيجة أن الست صححت الأخطاء ورجعت وأبعدت بعض العناصر التي لم تكن محبوبة.
لماذا يصبح وعي الناخب ولا أريد أن أقول العربي أو المسلم أو المصري دائماً يشترى عكس ما هو موجود بالهند مثلاً. وقد رأينا عدد الناخبين هناك بلغ 800 مليون ناخب.. يخرجون في 3 شهور يدلوا بأصواتهم. هذه النقطة أثارها في ذهني حديث أستاذنا السيد يسين.. هل الديمقراطية النيابية انتهت؟ صحيح الانتخابات ليست هي أفضل النظم ودائماً نعطي الانموذج التقليدي أن هتلر وصل إلى موقعه بالانتخابات سنة 1933 إذن ليست الانتخابات هي الاختيار الأفضل ولكن أحياناً يقولون هي أفضل الخيارات وشر لابد منه.
هل هناك توجه يمكن أن يجعل ظاهرة الرأي العام في بلد مثل مصر الرأي العام فيها قوي والديمقراطية ضعيفة، كثير من الناس فهموا أن هناك علاقة طردية بين الرأي العام والديمقراطية، وهذا غير دقيق أبداً. الرأي العام في مصر في أي قضية أستطيع أن أعمل له مقياس وأتحدث عنه في أي مكان وأن التيار العام يقول كذا وكذا إنما التمثيل الديمقراطي مضروب تماماً وتحفه عملية التزوير والرشاوي وكلنا نعرف ذلك ولا نستطيع أن ننكره.. لماذا؟ لأن شيئاً ما يحدث وهو الخصومة بين الثقافة والسياسة وهي مشكلة مهمة جداً.
عندما أنظر إلى العصر الليبرالي في مصر أيام «محمد حسين هيكل باشا».. «أحمد لطفي السيد باشا».. «طه حسين باشا» كل هؤلاء رموز سياسية وفي الوقت نفسه هم رموز ثقافية رفيعة .. هذا التزاوج أنتج مستوى مختلف. عندنا عائلة في الصعيد تدعى عائلة «عبد الرازق» أعرفها حيث نضرب بها المثل في دراسة الثروة الديمقراطية وهى تزاوج السلطة مع الثروة، عائلة وظفت ثرواتها لخدمة الثقافة فظهر عبد الرازق ومصطفى عبد الرازق.. هذا الأمر نريده أن يعود وكيف سيعود؟ عائلة «محمد علي» التي نستهجنها كانوا يوزعون الأدوار: عباس مع الحركة العمالية.. عمر طوسون مع الحياة السياسية ومع الوفد.. يوسف كمال مع الفنون الجميلة والزراعة.. الأميرة فريـال المجال الصحي- مستشفى فريـال والمعروفة الآن باسم مستشفى «هليوبولس» والمبرات. كان هناك شيئاً ما يحدث.. لماذا هذا الخواء الآن ، فقد كنت في فيينا والبنك الذي أراه يعمل طوال النهار بنك وليلاً يصبح صالون ثقافي أو معرض للوحات.
أريد أن أقول هناك خصومة بين الحياة العامة والثقافة هي جزء كبير من أسباب تراجع الدور العربي.. إنتاجنا الثقافي محدود جداً ، انظر إلى عدد الإصدارات في العالم العربي؟ أسماء محدودة في العالم العربي إثنين ثلاثة مفكرين في مصر يتقدمهم الأستاذ السيد يسين ولا أقول ذلك في وجوده فقط. في المغرب هناك منارة.. وهناك أسماء في الجزائر مفكر أو إثنين لكن لا يوجد تيار عام يقول أن هناك رؤية للتجديد الثقافي واستعادة الهوية العربية سياسياً من خلال الثقافة هذا لم يحدث.. ولهذا تأتي أهمية هذا الصالون الثقافي الذي أنشأه قيس العزاوي.. لماذا؟ عصر الصالونات – ونذكر مثال على ذلك الدكتورة لوتس عبد الكريم وأنا أذهب إلى صالونها الثقافي منذ الثمانينيات.. وكذلك صالون بنت فاضل باشا.. صالون مي زيادة.. لذا لابد من استعادة التقاليد الثقافية والتي سوف تكون مقدمة للتغيير.
الزعيم المثقف أفضل من الزعيم غير المثقف بطبيعة الحال.. عبد الناصر كان قارئاً لكن قراءات عسكرية.. وأعتقد أن رؤية السادات الثقافية كانت غير سيئة بصرف النظر عن رأي كثير من الحاضرين في حكم السادات لكن أريد أن أقول أن الرئيس السادات وتصعلكه في الحياة الثقافية وعمله في مجلة «روز اليوسف» واحتكاكه بزكريا الحجاوي ومحمود السعدني وعبد الرحمن الشرقاوي خلق لديه شيئاً ما استطاع أن يكوّن لديه حسّ ثقافي.
كانت مشكلة مبارك الحقيقية – وكنت كظله لمدة ثمان سنوات – هي الثقافة، ليس لديه أي رؤية كان معدوم وعندما نتحدث معه في أي موضوع ثقافي يقول لي: أنت هتتفلسف خلينا فيما نحن فيه.. لا يريد أن يسمع أو يقول وإذا استمريت معه في الحديث يقول لا أريد شرح وينهي الحديث بأنه يريد أرقام وإحصائيات فقط.. إذا حدثته عن الفساد في البلد يردد فيه حد عنده حكم محكمة؟ نظرته قصيرة جداً للحياة المصرية كقائد..
لابد الحاكم أن يكون لديه رؤية والحاكم صاحب الثقافة يستطيع أن يحسم قضية الخصومة بين الثقافة والسياسة.. المثقفين مهمشين ويتم استثناءهم في الاختيارات. مثلاً عندما يتم تعيين وزراء يشار إلى أي مثقف أنه طوال النهار يتحدث في الفكر والثقافة ولا يصلح ليكون وزيراً، يمكن حلمي النمنم استثناء أو الدكتور جابر عصفور أو غيره في وزارة الثقافة، لكن عموماً رأيت هذا التيار في الاختيارات.. كل مسؤول يردد لا عند اختيار أي شخصية ثقافية، يقال هذا رجل يقرأ ويكتب لاحاجة لنا فيه وهذه الخصومة أدت إلى ما نحن فيه.
ولا يستطيع أحد أن يتصور أن الثقافة سلعة ترفيهية أو عمل إضافي وأنا من رأيي أن المخزون الثقافي للحاكم هو الذي يحدد بوصلة توجهه ويحسم الخيار بانحيازه للطبقات الأكثر عدداً والأشد فقراً والأكثر تأثيراً في المجتمع.
نرى الآن رجال الأعمال من خلال النموذج المصري عزلة حقيقية ورعب كامل وهو جزء كبير جداً من الجفوة الموجودة بينهم وبين رئيس الدولة «السيسي» لا يريدون أن يقدموا شيئاً.. دورهم الثقافي محدود.. كانوا زمان يذهبوا إلى سوزان مبارك ليظهروا في الصور وليأخذوا في مقابلها الكثير.. لم تكن تبرعاتهم ولا منحهم من أجل الله والوطن ولا الشباب والفقراء لا.. كان لها عائد لديهم كلهم ولهذا السبب تأتي أهمية دور الحياة الثقافية في تعديل المسار العربي.
لو كان لدينا حاكم عربي يعلم طبيعة النظرة التاريخية للكنيسة الروسية الأرثوذكسية للمنطقة الإسلامية والأقليات فيها سيكون فاهم الكثير من الدوافع التي حركت بوتين التي لا يفهمها معظم الناس. إنها روسيا القيصرية التي أرسلت موفداً إلى يوليوس الرابع ليطلب منه رغبتهم في وضعهم تمت حمايته. وكان وقتها المورانة تحت الحماية الفرنسية.. الأقباط يكونون تحت حماية الكنيسة الروسية وكان البطرك وطنياً وسأل مَن تحت حماية مَن؟ نحن تحت حماية الحي الذي لا يموت- الله- لذلك جزء كبير من غارات روسيا الآن تضرب عناصر الشيشان في داعش فلديهم عداوة قوية ضد الإسلام السياسي وغير مستعدين للتفاهم معه. طبعاً جزء منه سياسي وجزء آخر الحرص على بقاء نظام حافظ الأسد – الدب دائماً يريد أن ينفذ للمياه الدافئة- كل هذا ومعه كثير من الأمور المعروفة ونقرأ عنها.. لو كان موجوداً على خلفية صاحب القرار كان استطاع أن يتفهم ما يدور.. إنما الحاكم الجاف الذي ليس لديه ما يقدمه وليس لديه مخزون فكري ولا ثقافي وإذا كان لديه فهو لا يستعين بمن يملكون هذا المخزون أبداً.. بالعكس يبدأ ينظر إليه بحذر وتخوف.
عندما كان هناك لقاء مع المثقفين تجد أن الرئيس لديه حالة ضيق وهمّ ويريد أن يخلص بسرعة لأن هناك خصومة سياسية بينه وبينهم.
أردت بهذه الشوارد أن ألفت النظر إلى أهمية دور الحياة الثقافية في الحياة السياسية، وقد عشت في الهند ورأيت رغم الفقر والتخلف والأمية لكن هناك ثقافة والتراث الهندي لدى المواطن الهندي يجعله يلتزم بواجب التصويت ويؤديه على نحو لا يؤديه المواطن المدلل في مناطقنا العربية والإسلامية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة