منور مُلاّ حسّون.. شاعرة الضوء الآتي عبر الزمن !

عندما دخل الغزاة العراق من البصرة 2003 وجدوا تمثالا منتصب الهامة علي شاطئ البصرة ، سألوا : لمن هذا .؟. قيل لهم : إنه للشاعر العراقي بدر شاكر السياب . انحنى جنود الغزو له إجلالا وتقديرا وأكملوا مسيرتهم في داخل البلاد . وبقي تمثال السياب شامخا في موقعه شاهدا علي جريمة العصر .
موقع السياب من التجربة الشعرية العربية الحديثة هو ونازك الملائكة موقع مميز وعلامة فارقة لا تخطئها العين . وانطلقت قوانين الحداثة كمعيار لعمود الشعر العربي من هذين الشاعرين الكبيرين . حتى غطت مساحة الوطن العربي كله في مطلع الخمسينيات والستينيات .
ورغم الغزو البشع والمدمر والمفكِك ، ظل العراق حاملا راية التجديد من خلال كتائب الشعراء الذين جاءوا من بعد ذلك ..اجيال وراء اجيال ينهلون من سحر اللغة والإبداع المتوهج الذي وضعه الآباء .
العراق هو البلد الوحيد الذي يملك بجانب مخزونه من النفط مخزونا من الثروة الشعرية العربية الهائلة ، إنه الوطن الشاعري أو وطن الشعر. والذائقة الشعرية العراقية تختلف عن اي قطر عربي آخر . فالعراق لا يعيش بغير الشعر ، ولا الشعر قادر علي الفكاك من قبضة ساكني النهرين .هكذا تقول الأسطورة .
جلجامش يطل في كل لحظة من حدائق بابل المعلقة ، يكتب السنين علي أغلفة الحجارة .. ويرسم عالما يزهو ، عالما يموج بدفء المسرة .
وهاهي الشاعرة العراقية « منور ملا حسون « ترسم معالم الحزن الغامض علي طين النهرين في وله العاشق الذي ينفخ من تحت الرماد «عرش بابل «
حين يصدأ العدل ..! )
أرى أسرابَ السنونو تهجرني ،
دون أن تحمل معها تعاستي !
فأحلم مع الفقراء
بالقرنفل يناديني ..
وفي جوف الظمأ
أرى سنابلَ القمح ،
في رمال الصحراء تزهو ..!
إذن ..
من أين يحاصرنا الجوع !
أيها الفقراء
ما دام لجوعنا .. لونٌ أسمر
( كلونِ ثرى وطني ..؟
منور ملا حسون شاعرة عراقية تركمانية ولها نشاط واسع في العملية التربوية في العراق ، ولها العديد من الإصدارات الشعرية والأدبية الأخرى ، وكانت مدعوة لمهرجان الشعر العربي في الفيوم منذ ايام ممثلة عن شعراء العراق .
شعرها مثل شعر الأنثى التي تمنح الأشياء من حولها مشاعر الأمومة التي تحنو علي أبنائها من فقراء الحلم .
: وقصيدتها « طويت أشرعتي « تجسد هذا الحلم حين يرتبط بالبسطاء
تنهّدتْ الريحُ قرب نافذتي ! )
وأزاحتْ شبحَ السنين ..
فتأنقتْ خطواتي المتعثرة ،
بعد أن كانت تائهة في فراغ الدروب ..
أنت ..
كتابي الذي بين يدي ،
قرأتُك ..
وللمرة ما بَعدَ الألف أقرؤك !
وأنا أصارعُ ظنوني
أيقنتُ .. أن صفحاتِك المجهولة
تُمطر ألغازا ، وأحلاماً ًضبابية !!
وسطورا منقوشة ُبالأسرار ..
لم أستطعْ كشفَ المُحال !!
لذا ..أنهيتُ ملاحمَ الأشواق ..
وأخفيتُ أجنحةَ الدفء والوهج
!.. في حضن جبل الصقيع
قطران عربيان يحملان تراثا هائلا من الحضارة والفكر وصوت البناء المعماري العظيم والشعر هما : مصر والعراق تحديدا وثالثتهما سوريا . هذا الإرث الحضاري ينفذ بالضرورة عبر آلاف السنين إلي الإنسان المعاصر الذي هو مركب من حضارة كل الأزمنة .
ونكتشف أن الغزو البشع الذي دمر البنية الأساسية العراقية لم يستطع ان يدمر الإنسان العراقي ولا الغناء العراقي ولا الذهن العراقي . ونكتشف كذلك أن الشعر في العراق هو درعه وسيفه في كل المعارك التي يخوضها .. ولنقرأ :
(أين جنيّةُ اللهفة التي ،
كانت تتلبّسني .. وتصارعُ أيامي
لتختصرَ المسافات ..؟؟
طويتُ أشرعتي ،
لقد سقطتْ مدنُ الأشواق..
وداعاً
لجنون أحلامي الذي ،
كان يؤججُ نيسان روحي ..!
فقد وصلتُ نهايات السطور ،
وأغلقتُ ملفاتِ المسرحية ..!! )
حسن النجار

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة