الأخبار العاجلة

في روائية انتاج المعرفة

اسماعيل ابراهيم عبد

من الظواهر الملفتة للنظر وجود متون تحيل الى افعال (ما فوق بشرية) موازية لدلالات المتن اللغوي الروائي كحوار فكري اجتماعياً بين الأجيال المتناسلة عبر التغير السياسي والأخلاقي والاقتصادي وسيلته متابعة التغيرات التي تحدث في عوالم قرية تشبه المدينة اسمها كرمليس فعَبْرها يلمُّ بتطورات الناس والأفكار ورجال الدين المسيحيين الأقرب الى الفلاحين , لا المستثمرين , وإذ نقرأ هذه الرواية سننحاز الى تبويب المتابعة بالشكل الملائم للتوزيع الاشاري الخاص بدلالات الفعل الانساني بين لُحَمٍ اجتماعية مستقرها نينوى , ومداها الانسانية كلها , بل سنتماهى مع د.يمنى العيد بقولها:
« النقد ينتج معرفةً بالنص … يدخل النص في القراءة فيتحرر من صفات تغلقه على ذاته … يدخل النص في القراءة فيصير منتجا تمارس المعرفة عليه نشاطها «
لنتابع على وفق الآتي :
أولاً: انتاج المعرفة
لأننا في الحقل الادبي فستكون التجربة والمعلومة متخصصة بالفعل السردي المتخيل اعتمادا على معلومات الخبرة الاجتماعية في يوليانا ؟
لنتفحص جرف أحد شواطئ الرواية عند المفصل الآتي :
[منذ أن مربها الامبراطور الروماني تراجانوس ,سنة 116 , الى ان بدأت الحرب العالمية الاولى ,وبلدة كرمليس منقطعة تماما عن المفاخر..لم يتحرك فيها الأمل الا حين توقفت في عام 1925, بالقرب من كنيسة القديسة بربارة ,سيارة رئيس وزراء المجرالسابق الكونت بول تلكي, الذي أوفدته عصبة الامم لتقرير مصير الموصل] المقطع يبث لنا معلومات ومعارف وتجارب لها بدء مكاني واحد هو كرمليس وبدء تأريخي هو العام 116م,ولحظة مستعادة هي زيارة (تلكي) لكرمليس في العام 1925.
ها هو قشر اولي للمعلومات تنام خلفة مظاهر معرفية حدثية ,منها ما يخص قضية الموصل, وقضية تدخل الدول ,وقضية الامن والسلام العالمي ,وطبيعة علاقات الجواربين الدول, وطموحات ومفاخر كرمليس .ومن بين هذه المعارف والاحداث تبرز تجربة أهل كرمليس مع القوى المحلية والخارجية على حد سواء.
تلك كلها متون منبثة داخل المتن الأكبر(الرواية) نعدّها متونا موازية للأصل الروائي .
ستظل الظواهر تلك عارضة لو فهمنا مظهرها اللغوي المباشر فقط , لكن لو أخذنا الامر بطريقة أخرى فسيتغير النص كثيرا.لنتساءل عن:
لمن الفخر ؟
ما علاقة كنيسة بربارة بالوقائع هذه؟
ما دورتراجانوس رئيس وزراء المجرفي كرمليس؟
الاجابة نجدها في :
1 ـ الفخر يشكل هوية المكان والناس للقرون الوسطى .
2 ـ يرتبط التاريخ الوسيط للمسيحيين بالامبراطوريات التي تكفلت بشيوعة ونشر عبادته في البلدان الاخرى ,وهو ما يعني الخضوع العاطفي للدول المسيحية القوية كالرومان قديما والمجر حديثا .
3 ـ المسيحيّون في العراق ارتبطوا مصيريا بالمكان الذي فيه كنائسهم , ومن ثم صارت كرمليس واحدة من سمات هويتهم المضافة الى انتمائهم الوطني.
4 ـ الوعي الاجتماعي والثقافي للمسيحيين ارتبط بالسلوك والقِدَم والتعايش.
5 ـ المسيحيّون صاروا سببا لتدخل الدول في مصائر البلدان بحجة حماية المسيحيين. يقابل ذلك اضطهاد الاكثرية الحاكمة في بلدان الشرق للمسيحيين بحجة أنهم جواسيس للدول الاستعمارية مما جعل المسيحيون يكتوون بالنارين معاً ,ثم صارت قضية الموصل كلها كأنها قضية المسيحيين او قضية انتمائهم للعراق.
* إذاً الـ « ما وراء النص « الموازي هو حزمة مفاتن تأويليّة تنتظرالكشف عنها.
لنقتفي اثر جهة جديدة لمعارف النص تعنى بتداعيات الارباك الحدثي :
[استأذن الكونت بول تلكي من مضيفه الكرمليسي , ورجع الى سيارته ليكتب في دفتر ملاحظاته أن (أهالي كرمليس يتوهمون امتلاكهم عظام القديسة بربارة , وخادمتها يوليانا , وبما أن هذا يتعارض مع وثائق خط بروكسل,والقديسة وخادمتها, وفق ما نؤمن ,ولدتا ودفنتا في منطقة أزميرفي الاناضول ,اوائل القرن الثالث الميلادي ,فأن اعتقادهم يعدّ جنوحا خرافيا وميلا عاطفيا مؤثرا يرجح عائدية الموصل , والبلدان التابعة لها الى تركيا لا العراق] ـ يتضمن المقطع بعضا من المعلومات الاجتماعية كتضييف الزائرين, وتعصب اللجان الاممية,والحكم حسب الأهواء فضلا عن السخرية بمعتقدات الناس.
كما يتحمل المقطع أن يصير(خطيّة) من معلومات مضللة تسبب الارباك في العلاقات الدولية ,الاقليمية والمناطقية , ثم أن المقول هذا يتيح لنا ان نتصورمقدارالحيف السياسي غيرالمحايد الذي يصم الشعوب بالجنوح والخرافة.
وبذات الفهم يمكن انشاء متنٍ موازٍ يرسي دلالات متعددة المعلومات منها :
1 ـ ان الناس في كرمليس يقدسون اموتهم تقليدا لعظمة ونقاء القديسة بربارة وخادمتها يوليانا, على الرغم من انهما امرأتان لا ذكران.
2 ـ ان العودة الى اكثر من الف سنة الى الوراء غير كاف لتقرير مصير ملصق بطائفة ليست لها قدرة على دفع هذا المصير.
3 ـ اتخاذ وثائق بروكسل طريقة لتغيير مسارالتاريخ الحديث للناس والدول. هذه ذريعة سيئة للغاية لأن الوثائق الموضوعة بأيادي منحازة ستكون وثيقة للظلم والاعتداء.
4 ـ يعطينا المقطع لمحة عن اراء متضاربة تخلخل ايمان الناس دون ان تضع بدائل معوضة مقنعة .
5 ـ ان الاقرار المتسرع الخاضع لتقاسم مناطق النفوذ بكون الموصل جزءاً من تركيا لا من العراق يتعارض مع رغبات الطوائف كلها , المسيحية وغير المسيحية. ثانياً : التوازي العرفانيهو في الرواية يأخذ منحى من شقين :
الاول : يتبع ذات الطريقة الشائعة , كما هي إحالة الحدث في المقطع الآتي :
[بينما القس يوسف يوجه نظرته الدامعة الى السماء , يحكي ججو تفاصيل نزوله الى حياة البشر :
ـ قلت عن الخير انه خير , وعن الشر انه شر , لكن يا أبتِ لا اعرف لماذا الانسان لا يحب الانسان.
يجيبه القس بصوته الناعس :
ـ لا يجوز يا بني ان نحب البلبل ونكره البعوضة . الخير ان ننظر الى ما علينا فعله , لا الى ما ننتظر ان نتلقاه ] .
يُرى أن الشيوع الشعبي يكمن في تقديس المقول الديني مهما كانت درجة التحريف واللاعلمية فيه , وكون المقول اطروحة روحانية فالمقتطع لا يسند القول الى مصدر أو قيمة انما يعمد الى التزجية الشعبية التي لا تسبب ولا تجادل الا بقدر توكيد القناعات السائدة . ويمكن ان يتوازى هذا , أو , يتقابل مع عشرات المقولات التقليدية في الامثال والقصص الشعبية , لكنه هنا أُريد له ان ينحصر بالمقابلة بين المثالية الفردية والمثالية الاجتماعية عَبْرَ المقول الروحي الروحاني الموحي بالحب العام الشامل لمكونات البيئة كلها , بوسيط الإهمال للمنطق العقلاني كليّاً.
الثاني : يتبع طريق التلطيف المبهج للتهكم على سلوك رجال الدين , مثلما يضمره المقطع الآتي :
[ قبل ان يبدأ بأكل البرغل سألها ابلحد :
ـ انت امرأة جميلة جدا , ومن عائلة غنية , فكيف قُدِّر لكِ ان تنجبي هذا اللقلق؟
قالت روز :
ـ ججو كان يشبهني , ورائحته من رائحتي , لكن الرب غيّر شكله بعد ما أنجبته بدقائق ليصبح شبيها بأبيه , وأعمامه وأجداده . إنهم يتكررون بالشكل , ويرتكبون الحماقات نفسها لإعتقادهم بأن مار أدي الرسول كان هكذا وسيظهر في أحدهم من جديد , وان كانت هذه هي خطة الرب حقا , أظن ججو هو اقرب من فيهم الى المعجزة, وحين يتزوج إبنتك , فسينجبه شرط أن يكون اسمه حنّا ](7) .
ان المشهد تهكمي كله , نظراً للكاريكتيرية التي ترسمها صور الجمل اللغوية على ما فيها من بلاغة سردية تخص رجال الدين تنحصر بالآتي :
1 ـ صورة ابلحد , دميم الخلقة / تقابل / صورة روز الجميلة .
2 ـ صورة روز الجميلة / تقابل / صورة ججو المشوه .
3 ـ صورة الرائحة الزكية لروز / تقابل / صورة رائحة ابنها المتحولة .
4 ـ صورة الاب والاعمام والاجداد / تقابل/ صورة مار ادي الرسول .
5 ـ صورة ججو الظاهرة / تقابل / صورة مار ادي الغائبة
6 ـ صورة خطة الرب / تقابل / صورة المعجزة .
7 ـ صورة الفتى ججو / تقابل/ صورة ابنه حنا غير المولود بعد .
له تتمة

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة